يتمحور مركز مليحة للآثار (Mleiha Archaeological Centre) حول قبر يعود تاريخه إلى نحو 4000 عام، ويقع في صحراء الشارقة عند سفح جبل الصخور الاحفورية. ويشكّل المركز القلب النابض لمشروع أكبر للسياحة البيئية (Ecotourism Development) يركّز على الحياة االبرية المحلية، والأنشطة الصحراوية، والثروة الأثرية الغنية التي تتميز بها المنطقة.
ويجمع المركز بين متحف داخلي ومقهى، إلى جانب ممرات خارجية، وحدائق صحراوية، ومساحات مخصصة للتأمل والاسترخاء. ويُعدّ المشروع مثالاً على الدور الإثرائي الذي يمكن أن تؤديه العمارة عندما تُؤخذ خصوصية الموقع وسياقه المحيط بعين الاعتبار بعناية والتزام خلال العملية التصميمية.

تمت دراسة موضع الكتلة المعمارية بعناية فائقة، إذ رأى مكتب الدباغ للهندسة المعمارية (Dabbagh Architects) أن المشروع يجب أن يحترم الطبيعة التاريخية للموقع، إضافةً إلى مكانته بوصفه موقعاً مرشحاً للإدراج ضمن قائمة التراث العالمي . كما أُخذت الأبعاد غير المادية للمكان وذاكرته الجمعية بعين الاعتبار، باعتبارها جزءاً أساسياً من الاعتبارات السياقية التي وجّهت عملية التصميم.
وكان لا بد من التعامل مع القبر المقدس العائد إلى العصر البرونزي (Bronze Age Tomb) وما يحيط به من مشهد طبيعي أخّاذ بروح من الاحترام، بحيث يُعاد تأطيره وإبراز قيمته والاحتفاء به، وفي الوقت نفسه استعادة حضوره بوصفه عنصراً محورياً في هوية المكان.
تولّدت الهندسة المعمارية للمبنى انطلاقاً من القبر بوصفه مركزاً لها، في حين شكّلت تجربة الزائر العنصر الموجّه للمقاربة التصميمية. فقد اتخذ المبنى هيئة جدران متحدة تتموّج وتنطلق من المركز، وتم تمديد هذه الجدران بحيث تقود الزوار نحو المدخل، أو إلى القبر، أو إلى السطح.
وأفضى هذا التكوين إلى خلق ثلاث تجارب مكانية متميزة تتيح للزائر استكشاف الموقع والتفاعل معه بطرق مختلفة:
أولاً، تجربة تبدأ من المدخل الرئيسي، مروراً بالردهة (Lobby) وقاعة المعارض (Exhibition Gallery)، لتتوج بالوصول إلى المتجر والمقهى. وخلال هذه الرحلة داخل المركز الأثري، تتكشف للزوار إطلالات ولمحات متتابعة للقبر، بحيث يبقى حاضراً بصرياً على امتداد التجربة المكانية داخل المركز.
ثانياً، تجربة تقود الزوار مباشرةً إلى القبر والساحة (Plaza) التي تشكّلت حوله، بما يتيح لهم معاينة هذا المعلم الأثري عن قرب. وتحيط بموقع الدفن القديم منطقة جلوس حجرية أنيقة وبسيطة، تتيح للزائر الجلوس والتأمل والاستمتاع بسكينة المكان وهدوئه.
كما تنسجم الجدران المشيّدة من الحجر الرملي (Sandstone) المحلي الغني بألوانه وملمسه مع المشهد الطبيعي المحيط، بحيث تبدو وكأنها امتداد عضوي للصحراء التي تحتضن الموقع.
ثالثاً، تجربة تتمثل في ممر صاعد (Ramp) يقود الزائر إلى السطح، حيث تنكشف له رؤية علوية للقبر وحجراته الفريدة، إلى جانب المشهد الجبلي ذات التدرجات الحمراء المميزة المحيط بالموقع.
وتُعدّ المفاهيم والنوايا التي وجّهت التصميم المعماري أعظم ما يقدّمه المشروع؛ إذ يخلق إحساساً عميقاً بالارتباط بالمكان، وبالماضي، وبالآخرين. فمن خلال هذه التجربة، لا يقتصر دور العمارة على توفير فضاء وظيفي، بل تصبح وسيلة لإحياء الذاكرة وتعزيز الشعور بالانتماء، وإقامة حوار مستمر بين الإنسان والتاريخ والمشهد الطبيعي المحيط.




















































