تقع بلدة بورتينلي (Burtinle) في المنطقة الحدودية من ولاية بونتلاند في الصومال، على بُعد نحو 7 درجات شمال خط الاستواء. وتتمتع المنطقة بمناخ صحراوي حار (Hot Desert Climate)، إذ تتجاوز درجات الحرارة السنوية فيها بانتظام 35 درجة مئوية. وتمتد حول البلدة أراضٍ جافة وتلال قاحلة، تقع على ارتفاع يقارب 500 متر فوق مستوى سطح البحر.
وتقطن المنطقة عدة عشائر صومالية، أبرزها عشائر أورطبل (Awrtable)، وعمر محمود (Cumar Maxamuud)، وغابوي (Gaboye). ونظرًا لموقع البلدة المكشوف والقريب من الحدود الإثيوبية المتنازع عليها، وكذلك من خط السيطرة (Line of Control) الفاصل بين الصومال وصوماليلاند، أصبحت بورتينلي وجهة يصل إليها العديد من اللاجئين والنازحين داخليًا (Internally Displaced People)، بحثًا عن ملاذ في ظل الظروف الصعبة التي تشهدها المناطق المحيطة.
ⓒ Lucas Sager
ⓒ Lucas Sager
كان الموقع المخصّص للمشروع يضم مستشفى صغيرًا تديره الحكومة، إلا أنه كان شبه مهجور عند انطلاق المشروع. وفي المقابل، كان المجتمع المحلي في البلدة، الذي يشهد نموًا سريعًا ويضم فئات تعاني من الهشاشة، بحاجة ماسّة إلى خدمات رعاية صحية موثوقة.
وبعد اكتشاف أن تصميمًا سابقًا أُعدّ بتكليف مسبق يتجاوز مساحة قطعة الأرض المتاحة بفارق كبير، كلّفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) ووزارة الصحة في ولاية بونتلاند شركة APC بإعداد مقترح تصميم للمشروع، استنادًا إلى إرشادات تصميم المنشآت الصحية في الصومال (Somalia Health Facility Design Guidelines)، التي صدرت حديثًا آنذاك، لتكون أول معايير موحّدة من نوعها في البلاد.
وفي منطقة تفتقر إلى مقومات البنية التحتية الحديثة، مثل المياه والكهرباء، وتعاني من محدودية شديدة في الميزانيات التشغيلية وقدرات الصيانة، تمثّل أحد أبرز تحديات المشروع في تحقيق الاكتفاء الذاتي (Self-Sufficiency)، وترشيد استخدام الموارد المتاحة إلى أقصى حد ممكن، بما يضمن استمرارية عمل المنشأة الصحية في ظل هذه الظروف.
ⓒ Lucas Sagerالمجتمع المحلي (Community)
تؤدي الممارسات الدينية الإسلامية والقيم الاجتماعية المحافظة دورًا محوريًا في الحياة اليومية وأولويات المجتمع المحلي في البلدة. وفي الوقت نفسه، يُعدّ التقدّم في مجالات التكنولوجيا الحديثة والرعاية الصحية أولوية أساسية لدى مختلف أفراد المجتمع.
وقد ساهم المجتمع المحلي في المشروع على مستويات متعددة، شملت ربط مسارات الحركة، وتمديد أنابيب المياه، وتوصيل خطوط الكهرباء.
وانطلاقًا من احتياجات المجتمع ورسالة منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) الأساسية في حماية الأطفال، ركّز البرنامج التصميمي (Design Brief) على وحدات الطوارئ، والعيادات الخارجية (Outpatient Care)، ورعاية الأمومة وحديثي الولادة (Maternity and Neonatal Care)، وغرف العمليات (Operating Theatre Units).
كما يدعم هذه الوحدات عدد من الأقسام المساندة، تشمل المختبر والصيدلية والإدارة، إلى جانب جناح صغير للمرضى المقيمين (Inpatient Ward).
ⓒ Lucas Sager
ⓒ Lucas Sagerالنمط المعماري (Typology)
يقع المستشفى على أطراف البلدة، إلا أن المساحة المتاحة في الموقع محدودة نسبيًا مقارنةً بالبرنامج الوظيفي والمساحي (Spatial Program) المطلوب. ويستند المبدأ التنظيمي لمجمّع المستشفى إلى إعادة تفسير الأنماط العمرانية المحيطة بالأفنية الداخلية، التي تنتشر في شمال الصومال؛ إذ تتوزع مجموعة من المباني، ثلاثة منها جديدة والرابع قائم مسبقًا، حول فناء مركزي وحديقة مظلّلة ترحّب بالزوار.
ويتميّز المجمع بانفتاحه المحدود على المشهد الصحراوي المحيط، فيما يرسم الجدار الخارجي المحيط (Perimeter Wall)، الذي يحجب الرؤية ويمنع الاختراق، حدًا واضحًا يفصل بين الخارج والداخل. وفي المقابل، تتصل المساحات الداخلية بالفناء المظلّل بسلاسة من خلال سلسلة من الشرفات المسقوفة (Verandas) ومناطق الانتظار المفتوحة، لتشكّل انتقالًا تدريجيًا بين الفراغات الداخلية والخارجية.
أما برجا التقاط الرياح (Wind Towers)، فيمنحان المبنى حضورًا معماريًا مميزًا، ويجعلان منه علامة بارزة ضمن النسيج العمراني للبلدة.
ⓒ Lucas Sager
التعافي (Healing)
من منظور المريض، يشكّل الفناء المركزي العنصر المحوري في المشروع، إذ يربط بين جميع أقسام المستشفى، ويؤدي في الوقت ذاته دور مساحة علاجية مظلّلة وواسعة (Healing Space). وتوفّر الشرفات العميقة المسقوفة (Deep Verandas)، والحوض المائي المركزي، وأشجار الفناء ومساحات الظل التي تُلقيها، بيئة تسمح للعائلات بالتجمّع ضمن مستويات متفاوتة من الخصوصية، وتتيح الفصل بين المرضى من الرجال والنساء بصورة تراعي الممارسات الدينية. كما تعزّز هذه العناصر الشعور بالأمان والراحة في بيئة عامة كثيرًا ما تشهد ظروفًا مضطربة.
ويعكس التوزيع الفراغي (Spatial Arrangement) للمبنيين الجديدين اعتماد غرف ومساحات وظيفية موحّدة المعايير (Standardized Rooms and Functional Areas)، بما يمكّن الكوادر الطبية المتناوبة من التأقلم سريعًا مع بيئة العمل، عند تكليفها بالعمل في بورتينلي قادمةً من منشآت صحية أخرى داخل البلاد.
وفي الوقت نفسه، يجسّد التنظيم العام للمباني تطبيق مبادئ التصميم السلبي (Passive Design)؛ فإلى جانب الاستجابة للظروف المناخية من خلال الاستفادة من حركة الهواء، وأشعة الشمس، وعناصر التظليل، أولى المشروع اهتمامًا خاصًا بدورة المياه (Water Cycle)، بوصفها أحد العناصر الأساسية في استدامة المنشأة وكفاءة استخدامها للموارد.
ⓒ Lucas Sagerالتهوية (Air)
اعتمد التصميم على مبدأ أبراج التقاط الرياح (Wind Catchers)، وهو أسلوب تقليدي يعود إلى قرون مضت، ويوفّر تكييفًا طبيعيًا للهواء دون الحاجة إلى مصدر طاقة إضافي، إذ يعتمد على حركة الرياح. ونظرًا للمناخ المحلي شديد الحرارة، حيث تتجاوز درجات الحرارة 35 درجة مئوية، إلى جانب المتطلبات الصارمة للنظافة والتعقيم في الإجراءات الطبية، كان من الضروري توفير بيئة داخلية مضبوطة حراريًا (Controlled Indoor Climate) في المساحات الرئيسية للمستشفى.
ولم يكن اعتماد نظام مركزي للتكييف الكهربائي (Central Air Conditioning System) خيارًا عمليًا، بسبب تكلفته ومحدودية توفر الكهرباء، فضلًا عن ضعف إمكانات الصيانة. وبدلًا من ذلك، يلتقط برجا الرياح تيارات الهواء ويدفعانها إلى الأسفل ثم عبر قنوات تحت الأرض، حيث تُنقّى من الغبار والرمال العالقة، وتُبرّد بفعل التربة المحيطة، وتُرطّب باستخدام مياه الأمطار المعاد تدويرها (Recycled Rainwater)، قبل توجيهها إلى الفراغات الداخلية عبر قنوات مدمجة في الأرضيات.
وللحد من ارتفاع درجات الحرارة الناتج عن التعرّض الشديد لأشعة الشمس، طُليت جميع المباني باللون الأبيض باستخدام الطلاء الكلسي (Limewash). كما صُمّمت الأسقف بنظام مزدوج الطبقات (Double-Skinned Roofs) مع إضافة مواد عازلة للحرارة (Thermal Insulation). واقتصرت فتحات النوافذ والأبواب على الواجهتين الشمالية والجنوبية، مع توفير الحماية من أشعة الشمس بواسطة امتدادات الشرفات المسقوفة أو عناصر التظليل الثابتة (Fixed Shading Devices).
ⓒ Lucas Sagerالمياه (Water)
تُعدّ المياه من أهم الموارد الحيوية في قطاع الرعاية الصحية، بل يمكن القول إنها المورد الأكثر أهمية لضمان استمرارية عمل المنشآت الطبية. وتزداد قيمتها في البيئات الصحراوية الجافة، حيث تندر الموارد المائية. ومع ذلك، فإن منطقة نوغال (Nugaal) تشهد هطولًا للأمطار على فترات متقطعة، وهي أمطار تُستغل في تجميع المياه السطحية وتخزينها في برك البركاد التقليدية (Berkad Ponds)، وهي خزانات أرضية تُبطّن بالقصارة الكلسية (Lime Plaster)، وتُغطّى بالقش أو بألواح معدنية مموجة.
وتُوجّه الأسقف الكبيرة أحادية الميل (Mono-pitch Roofs) في مباني المستشفى مياه الأمطار نحو بركة بركاد مركزية، حيث تُعاد الاستفادة من المياه المجمّعة في نظام التحكم بالمناخ الداخلي، والمراحيض، وغيرها من الاستخدامات.
لكن المنشآت الطبية الحديثة تحتاج أيضًا إلى مياه نظيفة صالحة للشرب، تستوفي أعلى معايير النظافة والصحة. ولتلبية هذه الحاجة، ينتج المستشفى المياه بنفسه من خلال محطة لتنقية المياه بالتناضح العكسي (Reverse Osmosis Plant)، تعمل بالطاقة الشمسية عبر الألواح الكهروضوئية (Solar Photovoltaic – PV).
الهيكل الإنشائي (Structure)
تستند المبادئ الإنشائية لمباني المستشفى إلى متطلبات المتانة والاستدامة، إلى جانب توافر مواد البناء محليًا. فقد استُخدمت الصخور المستخرجة من حفريات الموقع في تشييد الجدران الحجرية البسيطة من الأحجار غير المنتظمة (Rubblestone Walls). أما القصارة الطينية الخشنة (Rough-Cast Mud Plaster) والطلاء الكلسي الأبيض (Limewash)، فيُعدّان من أكثر التشطيبات شيوعًا في العمارة الصومالية التقليدية.
كما أُعيد استخدام الطوب الخرساني (Concrete Blocks) المستخلصة من المنشآت القائمة سابقًا في الموقع، لتشييد الجدران غير الحاملة (Non-Load-Bearing Walls).
وتتميّز الشرفات الممتدة بأقواس شكلية متتابعة (False Arches)، تستغني عن الحاجة إلى فتحات واسعة خالية من الدعامات الوسيطة، وتمنح الأفنية هوية بصرية مميزة يسهل التعرّف إليها.
وفي المقابل، حرص فريق المشروع على تنفيذ التفاصيل المعمارية والإنشائية بجودة عالية، من خلال استخدام قطاعات نوافذ ذات سماكات كبيرة (Heavy-Gauge Window Profiles)، وأبواب عازلة للصوت (Soundproof Doors) مصنّعة مسبقًا في المصانع، بما يحقق التوازن بين بساطة المواد المحلية ودقة التنفيذ.
ⓒ Lucas Sager
ⓒ Lucas Sager




































































