كيف تشكّل المساحات التي نعيش فيها علاقاتنا، وإحساسنا بالانتماء، وقدرتنا على التواصل مع الآخرين.
مقدمة: الوحدة في الحياة المعاصرة
قد تكون المدينة مكتظة بالسكان، ومع ذلك يشعر المرء فيها بوحدة عميقة. ترتفع المباني السكنية، وتزدحم الشوارع، وتجعل وسائل التواصل الرقمي الوصول إلى أي شخص تقريبًا ممكنًا خلال ثوانٍ. ومع ذلك، يظل التواصل الإنساني الحقيقي بعيد المنال بالنسبة إلى كثيرين. فقد نعيش محاطين بآلاف الأشخاص، دون أن نعرف جيراننا، أو نتبادل الأحاديث مع الغرباء، أو نشعر بأننا ننتمي إلى الأماكن التي نعيش فيها.
غالبًا ما يُنظر إلى الوحدة بوصفها تجربة شخصية أو نفسية، يمكن التعامل معها من خلال العلاقات الفردية والدعم العاطفي. لكن البيئات التي نعيش فيها تؤثر أيضًا في فرصنا للتواصل مع الآخرين. فتوزيع المنازل، وطبيعة الشوارع، وسهولة الوصول إلى المساحات العامة، ووجود أماكن تتيح للناس التجمع، أو غيابها، كلها عوامل تسهم في تشكيل الحياة الاجتماعية للمجتمع.
وقد استعرضت دراسة مراجعة منهجية (Systematic Review) نُشرت في مجلة Health & Place عددًا من 57 دراسة بحثت العلاقة بين البيئة المبنية (Built Environment) والشعور بالوحدة. وتشير نتائجها إلى أن محيطنا العمراني يمكن أن يؤثر في فرص التفاعل الاجتماعي والإحساس بالانتماء، رغم أن أي عنصر معماري أو عمراني منفرد لا يستطيع منع الوحدة بصورة مستقلة [1].
وهنا يبرز سؤال مهم أمام المعماريين ومصممي المدن: هل يمكن للمساحات التي نصممها أن تساعد الناس على الشعور بوحدة أقل؟

-
تصميم المساحات للقاءات، لا للحركة فقط
تعطي كثير من ممارسات التصميم العمراني المعاصر الأولوية للكفاءة. فالشوارع تُصمم لتسهيل حركة المركبات، والمباني السكنية تُنظّم حول الوحدات الخاصة، وغالبًا ما تُقيّم المساحات العامة بناءً على مظهرها، ومستوى صيانتها، أو قيمتها الاقتصادية. لكن ماذا يحدث عندما لا توفر هذه البيئات أسبابًا كافية تدفع الناس إلى التوقف، أو التفاعل، أو التعارف التدريجي فيما بينهم؟
غالبًا ما تبدأ العلاقات الإنسانية من لقاءات عادية ومتكررة. فقد يكون الحديث القصير مع أحد الجيران، أو رؤية وجه مألوف في الطريق إلى العمل، أو تبادل التحية مع صاحب متجر محلي، أمورًا تبدو بسيطة. لكنها، مع مرور الوقت، تساعد على بناء الألفة وتعزيز الشعور بالانتماء.
يمكن للتصميم المعماري والعمراني أن يدعم هذه اللقاءات من خلال توفير أرصفة مريحة للمشاة، ومداخل يسهل الوصول إليها، وأفنية مشتركة، ومقاعد مظللة، وطوابق أرضية مفتوحة على الحياة اليومية للشارع. وبدلًا من إجبار الناس على التفاعل، تجعل هذه المساحات حدوث اللقاءات العفوية أكثر سهولة.
وهنا يكمن الفرق المهم: البيئة الاجتماعية الناجحة لا تتطلب أن يتحدث الجميع مع الغرباء، بل تتيح لهم فرصًا للتواجد معًا، وملاحظة تفاصيل الحياة اليومية، وبناء شعور تدريجي بالألفة.
ويرتبط بذلك مفهوم البنية التحتية الاجتماعية (Social Infrastructure)، الذي يشير إلى الأماكن والمرافق التي تدعم العلاقات بين الناس. ففي مقال نُشر عام 2019، تناول الباحثان أندرو لاثام (Andrew Latham) وجاك لايتون (Jack Layton) دور المساحات العامة والمرافق اليومية، بما فيها المكتبات والمقاهي وملاعب الأطفال والمسابح العامة، في دعم الحياة الاجتماعية داخل المدن [2].
فهذه الأماكن ليست مجرد مرافق تؤدي وظائف محددة، بل تشكل جزءًا من الإطار المكاني الذي تنشأ من خلاله العلاقات المجتمعية.

-
اختفاء (المكان الثالث)
إلى أين يذهب الناس عندما يغادرون المنزل، ولا يكونون في العمل؟
قدّم عالم الاجتماع راي أولدنبرغ (Ray Oldenburg) مفهوم «المكان الثالث» (Third Place) لوصف أماكن التجمع غير الرسمية التي تقع خارج المنزل والعمل، مثل المقاهي، والمتاجر المحلية، والمكتبات، وغيرها من الأماكن التي تتيح فرصًا للحوار والتعارف وبناء العلاقات المجتمعية [3].
تكمن أهمية هذه الأماكن جزئيًا في سهولة الوصول إليها وطابعها غير الرسمي. إذ يمكن للناس زيارتها دون الحاجة إلى دعوة خاصة، أو موعد محدد، أو مناسبة اجتماعية بعينها. ويمكن للفرد أن يقضي بعض الوقت بمفرده، بينما يظل جزءًا من بيئة اجتماعية أوسع.
تأمل الفرق بين حي يضم مباني سكنية فقط، وآخر يضم أيضًا مخبزًا صغيرًا، وحديقة عامة، ومكتبة مجتمعية، ومقهى تتجه جلساته نحو الشارع. قد يستوعب الحيّان العدد نفسه من السكان، لكن الحي الثاني يوفر فرصًا أكبر للتفاعل اليومي.
وتزداد أهمية العمارة عندما تُدمج هذه الأماكن في المسارات المعتادة للحياة اليومية. فقد يكون الوصول إلى مركز مجتمعي يتطلب رحلة طويلة بالسيارة، في حين توفر مساحة مشتركة صغيرة عند مدخل مشروع سكني فرصة أسهل للقاء السكان. وقد يشجع مقعد عام بجوار مسار مشاة مستخدم باستمرار على اللقاءات العفوية أكثر من ساحة معزولة صُممت أساسًا لتكون عنصرًا بصريًا لافتًا.
لكن وجود هذه الأماكن لا يؤدي تلقائيًا إلى نشوء مجتمع مترابط. إذ تعتمد فائدتها على القدرة المادية على استخدامها، وسهولة الوصول إليها، وساعات عملها، ومدى ملاءمتها لثقافة المجتمع، وشعور الناس بالترحيب فيها. فالمقهى الذي لا يستطيع كثير من السكان تحمل تكلفته لا يمكنه أن يؤدي دورًا اجتماعيًا شاملًا.
لذلك، لا يكمن التحدي في إنشاء مزيد من أماكن التجمع فحسب، بل في تصميم أماكن يستطيع الناس استخدامها فعليًا والعودة إليها باستمرار.

-
إعادة التفكير في عمارة المساكن
يُنظر إلى المنزل تقليديًا بوصفه ملاذًا خاصًا يوفر الأمان والراحة، ويفصل الإنسان عن العالم الخارجي. لكن طريقة تنظيم البيئات السكنية يمكن أن تدعم العلاقات خارج المنزل أو تحدّ منها.
في بعض المشاريع السكنية، ينتقل السكان مباشرة من شققهم إلى مواقف السيارات المغلقة، ويستخدمون المصاعد للوصول إلى طوابقهم، ثم يغادرون المبنى دون أن يلتقوا بأحد. وهكذا تتحقق الخصوصية إلى أقصى حد، لكن فرص التفاعل العفوي تصبح محدودة.
هذا لا يعني أن الخصوصية هي المشكلة، بل يشير إلى أهمية تحقيق توازن مدروس بين الحياة الخاصة والمساحات المشتركة.
يمكن للأفنية المشتركة، والحدائق الجماعية، والشرفات العلوية المشتركة، وردهات المداخل المصممة بعناية، والغرف متعددة الاستخدامات، أن توفر فرصًا للتعارف والتفاعل بين السكان دون المساس بخصوصية منازلهم. وحتى المساحة الانتقالية بين المجال العام والخاص لها أهميتها؛ فمدخل المبنى الواسع، أو المساحة المشتركة المرئية، أو منطقة الجلوس قرب المدخل، قد تجعل تبادل التحية وبدء الحديث مع الجيران أمرًا أكثر سهولة.
ويقدم البيت التقليدي ذو الفناء الداخلي مثالًا مهمًا للمقارنة. ففي العديد من التقاليد المعمارية الإقليمية، نظّم الفناء الحياة المنزلية حول مساحة خارجية مشتركة توفر الإضاءة والتهوية والخصوصية، وتتيح فرصًا للتفاعل بين أفراد الأسرة. ولا يمكن إعادة إنتاج هذا النموذج ببساطة في جميع أشكال الإسكان المعاصر، لكن يمكن إعادة النظر في المبدأ الذي يقوم عليه: فالمساحات الواقعة بين الغرف والمنازل والشوارع تحمل قيمة اجتماعية تتجاوز وظيفتها بوصفها ممرات للحركة.
وينطبق المبدأ نفسه على المباني السكنية متعددة الطوابق والمجمعات السكنية الكبيرة. فبدلًا من التعامل مع المساحات المشتركة باعتبارها مساحات متبقية، يمكن للمعماريين تصميمها بوصفها امتدادًا حقيقيًا للحياة اليومية.
ومع ذلك، تشير الأبحاث المتعلقة بالبيئة المبنية والشعور بالوحدة إلى ضرورة عدم افتراض أن نمطًا معماريًا معينًا سيحقق النتائج الاجتماعية نفسها لدى الجميع [1]. فقد يشجع الفناء المشترك التفاعل في مجتمع معين، بينما يبقى غير مستخدم أو يسبب عدم الارتياح في مجتمع آخر. ولذلك، يجب أن يستجيب التصميم الجيد لعادات السكان وثقافاتهم واحتياجاتهم وتفضيلاتهم.

-
المساحات العامة بوصفها أماكن للانتماء
توفر المساحات العامة شيئًا لا تستطيع المنازل الخاصة أو الأنشطة الاجتماعية المنظمة توفيره دائمًا: إمكانية التواجد بين الآخرين دون الحاجة إلى المشاركة المباشرة.
فالشخص الذي يجلس بمفرده في حديقة عامة قد يشعر بالطمأنينة لمجرد وجود أشخاص آخرين حوله. ومن يسير في ساحة حيوية داخل الحي قد يشعر بأنه جزء من إيقاع الحياة الحضرية دون أن يتحدث مع أحد. وتذكّرنا هذه التجارب بأن التواصل الاجتماعي لا يقتصر على المحادثات المباشرة.
وقد بحثت دراسة قادتها الباحثة ليز ماكغراث (Liz McGrath) وزملاؤها في كيفية دعم المساحات العامة النشطة لأبعاد مختلفة من الشعور بالوحدة، بما في ذلك فقدان العلاقات الاجتماعية وضعف الإحساس بالانتماء الجماعي. وأبرز الباحثون أهمية الأنشطة الروتينية واللقاءات العابرة التي يصعب استنساخها بالكامل من خلال التواصل الرقمي [4].
وتتحدى هذه الفكرة الاعتقاد بأن المساحات العامة الناجحة هي تلك المزدحمة دائمًا أو التي تستضيف فعاليات منظمة باستمرار. إذ ينبغي للمساحة العامة المصممة جيدًا أن تستوعب طرقًا متعددة للتواجد فيها: الاجتماع مع الأصدقاء، ومراقبة الأطفال أثناء اللعب، والقراءة بمفردك، والمشي، ومراقبة الحياة من حولك، أو مجرد الجلوس والاستراحة.
وتؤثر الخصائص المادية لهذه الأماكن في مدى رغبة الناس في استخدامها. فالمقاعد المريحة، والظلال، والأشجار، والمسارات المهيأة للجميع، والإضاءة المناسبة، والشعور بالأمان، كلها عوامل تحدد ما إذا كان الناس سيختارون البقاء فيها. كما يمكن للنشاط على مستوى الطابق الأرضي والارتباط الواضح بالشوارع المحيطة أن يجعلا المساحات العامة جزءًا من الروتين اليومي، بدلًا من أن تظل وجهات لا تُزار إلا من حين إلى آخر.
ولا تقل أهمية عن ذلك عدالة توزيع هذه المساحات. فالحديقة الجميلة الواقعة على الجانب الآخر من طريق مزدحم قد لا تقدم فائدة عملية لشخص لا يستطيع الوصول إليها بأمان. وإذا تركزت المرافق الاجتماعية في الأحياء الميسورة، بينما تفتقر أحياء أخرى إلى أماكن تجمع يسهل الوصول إليها، فإن فوائد التصميم العمراني ستظل موزعة بصورة غير متكافئة.
لا تستطيع العمارة أن تصنع الانتماء بحد ذاته، لكنها تستطيع المساهمة في تهيئة الظروف التي تسمح بنشأته.

-
هل تساعد المساحات الخضراء على تقليل الشعور بالوحدة؟
تقدم الطبيعة منظورًا آخر لفهم العلاقة بين المكان والرفاه النفسي. فالحدائق والمتنزهات والأفنية المزروعة والشوارع المظللة بالأشجار توفر بيئات للترفيه والراحة والتفاعل الاجتماعي العفوي.
ويمكن للمساحات الخضراء أن تجمع الناس من خلال أنشطة مشتركة، مثل المشي وممارسة الرياضة ومرافقة الأطفال للعب. وتوفر الحدائق المجتمعية، على وجه الخصوص، فرصًا للقاءات متكررة حول هدف مشترك، مما يسمح للعلاقات بالتطور تدريجيًا بدلًا من الاعتماد على التواصل الاجتماعي المقصود وحده.
لكن العلاقة بين المساحات الخضراء والشعور بالوحدة تحتاج إلى تفسير دقيق. فقد يؤدي الوصول إلى الطبيعة إلى تحسين تجربة العيش في الحي، دون أن يعني ذلك بالضرورة انخفاض الشعور بالوحدة لدى كل فرد.
ففي دراسة أترابية قائمة على تجربة طبيعية (Natural-Experiment Cohort Study) نُشرت عام 2025، وشملت 665 شخصًا بالغًا في مونتريال وساسكاتون وفانكوفر، وجد الباحثون ارتباطًا وقائيًا محدودًا بين زيادة التعرض للمساحات العامة المفتوحة والشعور بالانتماء إلى المجتمع خلال جائحة كوفيد-19. لكن الدراسة لم تجد أدلة كافية على وجود تأثير وقائي مماثل فيما يتعلق بالشعور بالوحدة نفسه [5].
وهذا التمييز مهم؛ فالشعور بالارتباط بالحي السكني، والشعور بالقرب العاطفي من شخص آخر، تجربتان مترابطتان، لكنهما ليستا متطابقتين.
وبالنسبة إلى المعماريين، لا تعني هذه النتائج أن زراعة الأشجار أو إنشاء الحدائق سيحل مشكلة العزلة الاجتماعية. بل تشير إلى أن تصميم المشهد الطبيعي يمكن أن يسهم في تهيئة بيئات تشجع الأنشطة اليومية، وتوفر أماكن للتوقف والراحة، وتجعل الحياة المشتركة أكثر راحة. وقد تظهر القيمة الأكبر لهذه المساحات عندما تُدمج مع مسارات يسهل الوصول إليها، ومرافق عامة مفيدة، وأماكن تتوافر لدى الناس أسباب متكررة لزيارتها.

-
التصميم من أجل التواصل والعزلة معًا
لعل أهم درس يمكن استخلاصه هو أن العمارة التي تسعى إلى معالجة الشعور بالوحدة يجب ألا تتحول إلى عمارة تفرض الاختلاط الاجتماعي.
فالناس لا يبحثون عن التفاعل بالطريقة نفسها. يجد بعضهم الراحة في المساحات العامة الحيوية، بينما يفضل آخرون الحدائق الهادئة، أو المجموعات الصغيرة، أو إمكانية مراقبة الحياة من مسافة مريحة. وبالنسبة إلى الأشخاص الذين يعانون القلق الاجتماعي، أو الإعاقة، أو غيرها من العوائق التي تحدّ من مشاركتهم، قد تتحول البيئات التي تتطلب التفاعل إلى مساحات إقصائية بدلًا من أن تكون مرحبة.
وقد تناولت دراسة للباحث بي (Bi) وزملائه، نُشرت عام 2026، المساحات العامة المفتوحة في هونغ كونغ، وكيفية استخدام الناس للبيئات الحضرية بحثًا عن العزلة والراحة والتخفيف من الضغوط العاطفية. وأبرزت الدراسة أهمية التصميم الذي يتيح التفاعل الاجتماعي، وفي الوقت نفسه يمنح الأفراد القدرة على الانسحاب إلى مساحات أكثر هدوءًا وخصوصية [6].
وهذا يعني أن البيئات الأكثر دعمًا للإنسان هي تلك التي توفر طيفًا من الخيارات الاجتماعية. فقد تضم الساحة العامة منطقة مركزية نشطة، إلى جانب أطراف أكثر هدوءًا. وقد يجمع الفناء السكني بين الأنشطة الجماعية ومقاعد أكثر انعزالًا. ويمكن للمكتبة أن توفر طاولات مشتركة ومساحات فردية للقراءة في الوقت نفسه.
الهدف هو منح الناس حرية الاختيار.
ويعيد هذا التوجه تعريف معنى نجاح المساحة العامة. فبدلًا من قياس نجاحها بعدد الزوار أو الفعاليات التي تستضيفها فقط، يمكننا أن نسأل: هل يشعر الناس بالراحة عند البقاء فيها؟ هل تستطيع فئات المجتمع المختلفة استخدامها؟ وهل تدعم البيئة اللقاءات العفوية، إلى جانب إمكانية الاستمتاع بالهدوء والعزلة؟
ينبغي للعمارة أن تدعو إلى التواصل، دون أن تجعل المشاركة أمرًا إلزاميًا.

الخاتمة: بناء الظروف التي تسمح بالتواصل الإنساني
هل تستطيع العمارة أن تعالج الشعور بالوحدة؟ ليس بصورة كاملة. فالوحدة تتأثر بالظروف الشخصية، والعلاقات، والثقافة، والأوضاع الاقتصادية، والصحة، وعوامل أخرى كثيرة تتجاوز البيئة المبنية. ولا يستطيع مبنى مصمم بعناية أن يحل محل العلاقات الإنسانية ذات المعنى، كما لا تستطيع ساحة عامة أن تضمن شعور جميع زوارها بالانتماء.
ومع ذلك، لا يمكن فصل العمارة تمامًا عن هذه التجارب.
فالمسافة بين المنازل والمساحات المشتركة، ووجود مقهى في الحي، وراحة الجلوس على مقعد مظلل، وتصميم الفناء السكني، وسهولة الوصول إلى حديقة عامة، كلها عوامل قد تؤثر في عدد مرات لقاء الناس بعضهم ببعض، وفي مدى سهولة مشاركتهم في الحياة الجماعية.
قد تبدو هذه القرارات بسيطة مقارنة بحجم الشعور بالوحدة في المجتمع المعاصر، لكن أهميتها تكمن في طبيعتها اليومية والعادية. فالعلاقات الإنسانية لا تستمر دائمًا بفضل المناسبات الاستثنائية، بل غالبًا من خلال لحظات متكررة: رؤية وجه مألوف، وتبادل التحية، ومشاركة المكان، أو الشعور تدريجيًا بأنك أصبحت جزءًا من محيط تنتمي إليه.
وبالنسبة إلى المعماريين ومصممي المدن، يتطلب التعامل مع هذه القضية تجاوز النظر إلى المباني بوصفها كتلًا مستقلة، والتفكير في العلاقات الإنسانية التي تتيحها. وهذا يعني تصميم أحياء صديقة للمشاة، ومساحات عامة مرحبة، ومساكن تحقق التوازن بين الخصوصية والحياة المشتركة، وأماكن يومية تظل متاحة لأشخاص من مختلف الأعمار والقدرات والظروف الاقتصادية.
ربما لا تستطيع العمارة أن تعالج الشعور بالوحدة بصورة مباشرة، لكنها تستطيع المساهمة في بناء عالم يصبح فيه العثور على التواصل الإنساني أقل صعوبة.
وأحيانًا، يبدأ الشعور بالانتماء من هنا.
ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
المراجع:
[1] Bower, M., et al. (2023). “The Impact of the Built Environment on Loneliness: A Systematic Review and Narrative Synthesis.” Health & Place, 79, 102962.
https://doi.org/10.1016/j.healthplace.2022.102962
[2] Latham, A., and Layton, J. (2019). “Social Infrastructure and the Public Life of Cities: Studying Urban Sociality and Public Spaces.” Geography Compass, 13(7), e12444.
https://doi.org/10.1111/gec3.12444
[3] Oldenburg, R. (1989). The Great Good Place: Cafés, Coffee Shops, Community Centers, Beauty Parlors, General Stores, Bars, Hangouts, and How They Get You Through the Day. Paragon House.
[4] McGrath, L., et al. (2025). “Active Public Spaces Can Protect Against Multiple Dimensions of Loneliness: Qualitative Evidence from an Australian Sample in the COVID-19 Pandemic.” Health & Place, 96, 103567.
https://doi.org/10.1016/j.healthplace.2025.103567
[5] “Evaluating the Protective Effect of Public Open Space on Social Connectedness: Evidence from a Natural Experiment Cohort Study in Three Canadian Cities.” (2025). Health & Place, 96, 103541.
https://doi.org/10.1016/j.healthplace.2025.103541
[6] Bi, X., et al. (2026). “How Public Open Spaces Co-Construct Solitary Experiences in Densely Populated Urban Environments.” Health & Place, 97, 103596.
https://doi.org/10.1016/j.healthplace.2025.103596







