مقالات بُنيان – 19 حزيران 2026 – لو اختفت أسماء المدن من الخرائط، هل سنستطيع أن نعرف أننا في عمّان أو الرياض أو الدوحة أو القاهرة بمجرد النظر إلى مبانيها؟
قبل قرن من الزمن، ربما كانت الإجابة سهلة. فقد كانت المدن العربية تحمل شخصياتها الخاصة، وكانت العمارة جزءاً من تلك الشخصية. أما اليوم، وفي زمن العولمة (Globalization)، تبدو مدن كثيرة وكأنها تتحدث اللغة المعمارية نفسها؛ أبراج زجاجية متشابهة، وواجهات يمكن أن تنتمي إلى أي مكان في العالم.
لكن هل يعني ذلك أن الهوية العربية قد اختفت؟
وهل أصبحت العمارة المعاصرة عاجزة عن التعبير عن الثقافة العربية؟
ربما لا.
بل لعل السؤال الحقيقي ليس: “كيف نعيد إنتاج عمارة الماضي؟”، وإنما: كيف نستطيع أن نبني عمارة معاصرة تنتمي إلى عصرنا، دون أن تفقد جذورها؟
هل الهوية شكل أم معنى؟
حين يُطرح موضوع الهوية العربية، غالباً ما تتجه المخيلة إلى القباب والأقواس والمشربيات والزخارف الإسلامية.
لكن هل تكفي هذه العناصر لصناعة هوية؟
المعماري المصري حسن فتحي (Hassan Fathy) و في كتابه الشهير Architecture for the Poor، لم يكن يدعو إلى إعادة إنتاج العمارة التقليدية بوصفها صوراً وأشكالاً، بل إلى فهم المبادئ التي ولدت منها تلك العمارة.
فالهوية ليست مجموعة عناصر زخرفية يمكن إلصاقها على الواجهات.
إنها طريقة في التفكير.
إنها العلاقة مع المناخ، ومع المجتمع، ومع الحياة اليومية.
ولهذا فإن بيتاً زجاجياً بالكامل في قلب الصحراء، حتى لو أضيفت إليه بعض الأقواس والزخارف، قد يكون أقل “عروبة” من منزل معاصر بسيط يحترم المناخ المحلي، ويوفر الظلال، ويعزز العلاقات العائلية، ويخلق اتصالاً حقيقياً مع الطبيعة.
الطراز ليس هو الهوية
ربما يكون الخلط بين الطراز (Style) والهوية (Identity) أحد أكبر أسباب الأزمة المعمارية الحالية.
فالطراز يتعلق بالشكل الخارجي. أما الهوية، فهي أعمق من ذلك بكثير.
إنها تتجسد في:
- الخصوصية (Privacy).
- الفناء الداخلي (Courtyard).
- التدرج بين العام والخاص.
- العلاقة مع الضوء والظل.
- احترام المناخ المحلي.
- الروابط الاجتماعية والعائلية.
- الشعور بالانتماء إلى المكان.
وهذه القيم يمكن أن تظهر بألف شكل مختلف، وليس من الضروري أن ترتبط بلغة معمارية تاريخية محددة.

من حسن فتحي إلى رفعت الجادرجي
في القرن العشرين، حاول عدد من المعماريين العرب الإجابة عن هذا السؤال.
فقد سعى حسن فتحي إلى إعادة اكتشاف العمارة التقليدية المصرية بوصفها نظاماً بيئياً واجتماعياً، وليس مجرد تراث بصري.
أما المعماري العراقي رفعت الجادرجي (Rifat Chadirji)، فقد رفض الانغلاق في الماضي، لكنه في الوقت نفسه رفض الذوبان الكامل في الحداثة الغربية. وكان يؤمن بأن العمارة العربية يجب أن تحقق توازناً بين الأصالة (Authenticity) والمعاصرة (Modernity).
بينما قدم المعماري الأردني راسم بدران (Rasem Badran) تجربة مختلفة، اعتمدت على فهم المدينة العربية التقليدية، والتدرج المكاني، وأهمية الفناء، والانتقال بين الفضاءات، دون نسخ المباني التاريخية حرفياً.
كانت الفكرة المشتركة بينهم جميعاً واضحة:
الهوية ليست ما ننسخه من الماضي، بل ما نفهمه منه.
الإقليمية النقدية: طريق ثالث بين التقليد والعولمة
في ثمانينيات القرن الماضي، طرح الناقد المعماري البريطاني كينيث فرامبتون (Kenneth Frampton) مفهوم “الإقليمية النقدية” (Critical Regionalism).
لم يكن يدعو إلى رفض الحداثة، ولا إلى العودة الرومانسية إلى الماضي.
بل كان يقترح طريقاً ثالثاً؛ عمارة معاصرة تستفيد من التكنولوجيا الحديثة، لكنها تبقى مرتبطة بالمناخ المحلي، والطبوغرافيا، والثقافة، والذاكرة الجماعية.
وبالنسبة للعالم العربي، يبدو هذا الطرح أكثر أهمية من أي وقت مضى.
عندما تصبح المدن متشابهة
ساهمت العولمة، وشركات التطوير العقاري، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، في خلق ذوق عالمي موحد.
أصبح كثير من أصحاب المنازل يبحثون عن “البيت العصري” الذي يشاهدونه على Instagram أو Pinterest، بغض النظر عن ملاءمته للمناخ أو الثقافة المحلية.
فترى منازل مستوحاة من كاليفورنيا في الرياض، وواجهات زجاجية ضخمة في عمّان، وتصاميم إسكندنافية باردة في مدن صحراوية.
ورغم جمال هذه الصور، فإنها غالباً ما تتجاهل الأسئلة الأهم:
كيف يعيش الناس؟
كيف يتجمع أفراد الأسرة؟
كيف يدخل الضوء؟
كيف يتحقق الظل؟
وكيف يشعر الإنسان داخل المكان؟

الذاكرة أهم من الزخرفة
يرى المعماري الإيطالي ألدو روسي (Aldo Rossi) أن المدن تحمل ذاكرة جمعية (Collective Memory)، وأن العمارة ليست مجرد وظيفة، بل وعاء للذكريات الإنسانية.
أما المنظر النرويجي كريستيان نوربرغ-شولتز (Christian Norberg-Schulz)، فقد تحدث عن “روح المكان” (Genius Loci)، مؤكداً أن العمارة الناجحة هي التي تساعد الإنسان على الشعور بالانتماء.
ولعل هذا ما يفسر سبب تعلقنا ببيوت الطفولة، حتى وإن كانت بسيطة للغاية.
فنحن لا نتذكر تفاصيل الواجهات بقدر ما نتذكر الفناء، ورائحة الياسمين، وضوء العصر، وصوت الماء، والجلسات العائلية الطويلة.
هذه التجارب هي التي تصنع الهوية.
هل يمكن للمباني المعاصرة أن تكون عربية؟
الإجابة نعم.
ولعل بعض المشاريع الحديثة تقدم نماذج مثيرة للاهتمام.
فقد استطاع المعماري الفرنسي جان نوفيل (Jean Nouvel) في متحف اللوفر أبوظبي (Louvre Abu Dhabi) أن يعيد تفسير فكرة الظل والنور المستوحاة من المشربيات التقليدية بطريقة معاصرة.
وفي متحف قطر الوطني (National Museum of Qatar)، استلهم تكوين المبنى من “وردة الصحراء” (Desert Rose)، ليخلق عمارة مرتبطة بالمكان دون اللجوء إلى النسخ التاريخي.
أما مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي “إثراء” (Ithra) في السعودية، فقد قدم تجربة تجمع بين التقنيات الحديثة والارتباط بالسياق المحلي.
ربما تكمن الهوية في التجربة الإنسانية
يشير المعماري الفنلندي يوهاني بالاسما (Juhani Pallasmaa) إلى أن العمارة ليست فناً بصرياً فقط، بل تجربة حسية كاملة.
ومن هذا المنطلق، قد لا تكون الهوية العربية مرتبطة بشكل القوس أو نوع الحجر.
بل في الشعور الذي يخلقه المكان.
في الظل الذي يحمي من شمس الصيف.
وفي الحديقة التي تجمع العائلة.
وفي الخصوصية التي تحترم نمط الحياة.
وفي العلاقة بين الداخل والخارج.
وفي الإحساس بالسكينة والانتماء.

هل ما تزال العمارة العربية ممكنة؟
ربما لم يكن التحدي يوماً هو كيفية إعادة بناء الماضي.
بل كيفية فهمه.
فالهوية ليست متحفاً، وليست حنيناً رومانسياً إلى زمن مضى.
إنها حوار مستمر بين الذاكرة والمستقبل.
ولهذا، فإن العمارة العربية المعاصرة ليست تلك التي تقلد ما بناه الأجداد.
بل تلك التي تفهم لماذا بنى الأجداد بهذه الطريقة، ثم تعيد ترجمة تلك الحكمة بلغة القرن الحادي والعشرين.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال:
“هل ما تزال العمارة المعاصرة قادرة على التعبير عن الهوية العربية؟”
بل:
هل ما زلنا نمتلك الشجاعة الكافية لنبحث عن هويتنا خارج الصور الجاهزة، وخارج التقليد، وخارج الخوف من أن نكون أنفسنا؟
ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
المراجع:
- Hassan Fathy, Architecture for the Poor, University of Chicago Press, 1973.
- Rifat Chadirji, Concepts and Influences: Towards a Regionalized International Architecture, Academy Editions, 1986.
- Kenneth Frampton, Towards a Critical Regionalism: Six Points for an Architecture of Resistance, 1983.
- Juhani Pallasmaa, The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses, Wiley, 2012.
- Christian Norberg-Schulz, Genius Loci: Towards a Phenomenology of Architecture, Rizzoli, 1980.
- Aldo Rossi, The Architecture of the City, MIT Press, 1982.
- Amos Rapoport, House Form and Culture, Prentice-Hall, 1969.
- William J. R. Curtis, Modern Architecture Since 1900, Phaidon, 1996.
- Suha Özkan, Regionalism Within Modernism, Aga Khan Award for Architecture.










