تأثير إنستغرام: كيف غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي العمارة؟

هل بدأنا نصمّم المباني للكاميرات أكثر مما نصمّمها للإنسان؟

كان هناك زمنٌ كانت فيه العمارة تكشف عن نفسها ببطء.

لم يكن بالإمكان استيعاب المبنى بنظرة واحدة، بل كان يتجلّى عبر الحركة والترقّب والانكشاف التدريجي للفراغ. نقترب من المدخل، نشعر ببرودة الحجر قبل أن نلمسه، نلاحظ تغيّر الظلال على الجدران، ونسمع صدى خطواتنا تحت سقف مرتفع، ثم نبدأ شيئًا فشيئًا في فهم شخصية المكان. لم تكن العمارة مجرد مشهد بصري، بل تجربة تُدرك بالجسد كله.

أما اليوم، فقد انقلب هذا التسلسل بهدوء.

قبل أن نزور متحفًا، أو محكمة، أو فندقًا، أو حتى منزلًا خاصًا، نكون قد “اختبرناه” مسبقًا عبر مئات الصور. نعرف أين يقع الدرج الأيقوني، وأي واجهة تلتقط ضوء الغروب، وأين يقف الزوار لالتقاط الصور. لقد أصبحنا نمرّ على العمارة بإصبعنا قبل أن نمرّ بها بأقدامنا.

ولعلّ أي اختراع منذ ظهور التصوير الفوتوغرافي لم يُحدث تحولًا في إدراكنا للعمارة بقدر ما فعلته وسائل التواصل الاجتماعي، وفي مقدمتها إنستغرام. فهذا التطبيق لم يغيّر فقط طريقة توثيق المباني، بل أعاد تشكيل القيم التي تُصمَّم العمارة على أساسها، والطريقة التي تُقيَّم بها، وتُسوَّق، وتُتذكَّر.

إنه تحول يتجاوز التسويق ليصل إلى جوهر الفلسفة المعمارية نفسها.

 

العمارة قبل الشاشة

على امتداد معظم التاريخ الإنساني، قاومت العمارة فكرة الإدراك الفوري.

فلا يمكن فهم كاتدرائية من واجهتها فقط، ولا استيعاب أجواء فناء داخلي قبل عبور عتبته. كانت المباني تتطلب وقتًا؛ تكشف عن نفسها عبر الحركة، وتغيّر الضوء، وتبدّل زوايا الرؤية، وحضور الجسد داخلها.

يرى المعماري والمنظّر النرويجي كريستيان نوربرغ-شولتز (Christian Norberg-Schulz) أن العمارة هي فن تجسيد روح المكان.  فالمبنى الناجح لا يشغل موقعًا فحسب، بل يعمّق علاقتنا بذلك الموقع، ويمنح المكان هويته ومعناه. فالفراغ لا يصبح مكانًا إلا عندما يُعاش.

أما بيتر زومتور  (Peter Zumthor)، فيؤكد أن قوة العمارة لا تكمن في استعراضها البصري، بل في قدرتها على خلق الأجواء (Atmosphere)؛ تلك الحالة الشعورية التي تنشأ من تفاعل الضوء، والمواد، والصوت، والنِّسب، ودرجة الحرارة، والذاكرة. وهي عناصر لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

ويذهب يوهاني بالاسما (Juhani Pallasmaa) إلى أبعد من ذلك في كتابه «عيون الجلد (The Eyes of the Skin)»، حيث ينتقد هيمنة البصر على الثقافة المعاصرة، ويرى أن العمارة الحديثة تحولت تدريجيًا إلى سلعة بصرية، بينما فقدت ثراءها الحسي الذي يجعل الإنسان يشعر بالمكان. فالعمارة، في نظره، تُختبر بالجلد والسمع والذاكرة والعضلات، وليس بالعين وحدها.

ومن اللافت أن هذه الأفكار كُتبت قبل ظهور إنستغرام بسنوات طويلة، لكنها تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى.

 

ولادة المبنى “القابل للتصوير

لقد أوجدت وسائل التواصل الاجتماعي معيارًا جديدًا لم يكن حاضرًا في مدارس العمارة قبل عقود:

قابلية المبنى للتصوير  (Photographability)  

فلم يعد مطلوبًا من المشروع أن يكون ناجحًا بوصفه فضاءً معماريًا فحسب، بل أصبح مطالبًا أيضًا بأن يكون صورةً جذابة.

وأصبحت أسئلة جديدة تتكرر أثناء التصميم:

  • أين سيتوقف الزوار لالتقاط الصور؟
  • ما الزاوية التي يمكن أن تصبح أيقونية على إنستغرام؟
  • كيف ستبدو الواجهة في تصوير الطائرات المسيّرة؟
  • وهل سيحقق هذا الفراغ انتشارًا واسعًا على وسائل التواصل؟

ليست هذه الأسئلة سطحية في ذاتها، فلكل عصر وسائله في تمثيل العمارة. فقد غيّرت الرسومات المنظورية عمارة عصر النهضة، وأحدث التصوير الفوتوغرافي ثورة في فهم العمارة الحديثة، كما أعادت تقنيات التصيير الرقمي تشكيل الممارسة المعاصرة.

لكن الاختلاف مع إنستغرام يكمن في السرعة والانتشار.

فالصورة لم تعد نتيجةً للمبنى بعد اكتماله، بل أصبحت هدفًا يُصمَّم المشروع من أجله.

وأصبحت العمارة تتنافس داخل اقتصاد الانتباه  (Attention Economy).

من المكان إلى الصورة

يرى الفيلسوف الفرنسي غي ديبور (Guy Debord) في كتابه «مجتمع الاستعراض (The Society of the Spectacle)» أن المجتمع المعاصر استبدل الخبرة المباشرة بصورها وتمثيلاتها؛ فلم نعد نعيش الأشياء بقدر ما نستهلك صورها.

ولم تكن العمارة بمنأى عن هذا التحول.

فالكثير من المباني اليوم تُقيَّم أولًا من خلال الصور الرقمية، قبل التفكير في جودة فراغاتها، أو كفاءتها البيئية، أو صلاحيتها للاستخدام على المدى الطويل.

أصبحت الصورة هي هوية المبنى.

أما حضوره المادي، فأصبح في كثير من الأحيان أمرًا ثانويًا.

ويساعد مفهوم المحاكاة (Simulacra) لدى الفيلسوف الفرنسي جان بودريار (Jean Baudrillard) على فهم هذه الظاهرة؛ إذ تصبح الصورة أكثر تأثيرًا من الواقع نفسه. فقد يكتسب مبنى شهرة عالمية بفضل صورة واحدة التُقطت بعناية، بينما تبدو تجربته الحقيقية عادية، وربما مخيبة للآمال.

وهكذا بات للمبنى وجودان:

وجود مادي يُعاش،

ووجود رقمي يُستهلك.

وفي كثير من الأحيان، يغدو الوجود الرقمي هو الأكثر تأثيرًا.

ديمقراطية الظهور المعماري

ومع ذلك، فإن اختزال إنستغرام في كونه تهديدًا ثقافيًا سيكون حكمًا غير منصف.

فحتى وقت قريب، كانت الشهرة المعمارية حكرًا على المجلات المتخصصة، والمعارض الدولية، والنقاد، والمؤسسات الأكاديمية. وكان الوصول إلى جمهور عالمي يتطلب المرور عبر قنوات نشر محدودة، لا تتاح إلا لعدد قليل من المعماريين والمكاتب.

أما اليوم، فقد أعادت وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل هذه المعادلة.

أصبح بإمكان المكاتب المعمارية الناشئة أن تعرض أعمالها أمام جمهور عالمي دون الحاجة إلى وسيط. وأصبح مشروع سكني صغير في مدينة بعيدة قادرًا على الوصول إلى ملايين المتابعين، تمامًا كما تستطيع المكاتب العاملة في المناطق الأقل حضورًا على الساحة الدولية أن تشارك في الحوار المعماري العالمي.

ولم يقتصر هذا التحول على المعماريين فحسب، بل شمل الجمهور أيضًا. فقد أصبحت العمارة جزءًا من الثقافة اليومية، وأصبح ملايين الأشخاص يناقشون المواد، والاستدامة، وإعادة الاستخدام، والتصميم الحضري، وجودة الفراغات، رغم أنهم قد لا يقرأون مجلة معمارية واحدة طوال حياتهم.

لقد أصبحت العمارة أكثر انفتاحًا على المجتمع، وأكثر حضورًا في الحياة اليومية.

وهذا مكسب لا ينبغي التقليل من أهميته.

 

عندما تتحول العمارة إلى محتوى

لكن التحدي يبدأ عندما تصبح الرغبة في الظهور هي التي تقود عملية التصميم.

فكثير من المشاريع المعاصرة تبدو وكأنها صُممت حول ما يسميه المصورون اللقطة البطولية  (Hero Shot)؛ وهي الصورة الواحدة القادرة على الانتشار وجذب الانتباه خلال ثوانٍ.

ولهذا نلاحظ تكرار عناصر بعينها في كثير من المشاريع المعاصرة؛ كالسلالم النحتية، والأسطح العاكسة، والفراغات أحادية اللون، والفتحات الدائرية الضخمة، والمنصات المعلقة، والتكوينات المتماثلة التي تبدو مثالية في الصور.

ولا يعني ذلك أن هذه العناصر سيئة بطبيعتها، فالكثير من أروع المباني في العالم يوظفها بذكاء. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح تأثيرها البصري هو الغاية الأساسية، بينما تتراجع جودة التجربة المكانية إلى مرتبة ثانوية.

عندها تتحول العمارة تدريجيًا إلى محتوى رقمي.

ويتحول المبنى من إطار يحتضن الحياة اليومية إلى خلفية لالتقاط الصور.

 

عندما يصبح الانتشار معيارًا للتصميم

ولعلّ أبرز ما يكشف هذا التحول هو ظهور مشاريع معمارية أصبحت شهرتها الرقمية جزءًا من هويتها المعمارية.

ففي مدينة نيويورك، صُمم مشروع فيسل  (Vessel)، الذي أبدعه مكتب هيذرويك ستوديو (Heatherwick Studio)، بوصفه تجربة مكانية تتيح للزوار الصعود عبر شبكة من السلالم المتقاطعة. إلا أن المشروع سرعان ما أصبح واحدًا من أكثر المواقع تصويرًا على إنستغرام، حتى غدت صوره المنتشرة عالميًا جزءًا من شهرته يفوق حضوره بوصفه فضاءً حضريًا. ومع مرور الوقت، أثار المشروع نقاشًا واسعًا بين النقاد؛ إذ رأى بعضهم أن جاذبيته البصرية طغت على قيمته المكانية والاجتماعية، خصوصًا بعد إغلاقه المتكرر إثر حوادث انتحار مأساوية، وهو ما أعاد طرح سؤال جوهري: هل يكفي أن يكون المبنى جذابًا بصريًا إذا أخفق في احتضان الإنسان بأمان وراحة؟

وفي طوكيو، يقدم متحف تيم لاب بلانيتس (teamLab Planets Tokyo) تجربة مختلفة؛ فهو يعتمد على الضوء والماء والمرايا لخلق بيئات غامرة  (Immersive Environments) تُشرك الجسد والحواس معًا. وقد أصبح المتحف من أكثر الوجهات تداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن نجاحه لا يعود إلى صورة واحدة، بل إلى تجربة حسية كاملة يعيشها الزائر. وهنا تكمن المفارقة؛ فانتشاره الرقمي لم يكن نتيجة عناصر شكلية فقط، بل ثمرة تجربة مكانية متكاملة يصعب اختزالها في صورة واحدة.

أما ذا شيد (The Shed) ، الذي صممه مكتبا ديلر سكوفيديو + رينفرو (Diller Scofidio + Renfro) وروكويل غروب  (Rockwell Group) في نيويورك، فيمثل نموذجًا آخر لعمارة لافتة بصريًا، لكنها في الوقت نفسه تستمد قيمتها من مرونتها الوظيفية وقدرتها على إعادة تشكيل فضاءاتها وفق نوع الفعاليات التي تستضيفها. لقد انتشرت صور المبنى على نطاق واسع، إلا أن شهرته لم تعتمد على شكله المتحرك وحده، بل على الفكرة المعمارية التي تقف وراء هذا التحول.

وتكشف هذه الأمثلة أن الانتشار الرقمي ليس مشكلة بحد ذاته؛ فالمبنى قد يصبح مشهورًا على وسائل التواصل الاجتماعي لأنه يقدم تجربة معمارية استثنائية فعلًا. لكن الإشكالية تظهر عندما يصبح الانتشار هو الهدف الذي يسبق التجربة، وعندما تُختزل العمارة في الصورة التي تُلتقط لها، بدلًا من الخبرة التي تمنحها لزوارها.

Vessel
image source: worldarchitecture.org

لقد تغيّر العميل أيضًا

لم تغيّر وسائل التواصل الاجتماعي المعماريين وحدهم، بل غيّرت عملاءهم كذلك.

ففي كثير من الاجتماعات، يبدأ الحوار اليوم بمجموعة من لقطات الشاشة المحفوظة على الهاتف.

“أريد هذا المطبخ.”

“أريد هذا الدرج.”

“أريد هذه الواجهة.”

بدلًا من أن تبدأ المحادثة باحتياجات الأسرة، أو أسلوب الحياة، أو طبيعة الموقع، تبدأ غالبًا بالصور المرجعية.

وهنا يتحول دور المعماري تدريجيًا من تفسير الحياة وتحويلها إلى فراغات، إلى إعادة إنتاج صور سبق أن حققت نجاحًا على وسائل التواصل.

لكن العمارة لم تكن يومًا عملية تجميع لعناصر جميلة.

فالمنزل الناجح هو الذي يفهم إيقاع الأسرة.

والمدرسة الناجحة هي التي تدعم عملية التعلم.

والمستشفى الناجح هو الذي يخفف قلق المرضى.

وكل هذه الصفات يصعب اختزالها في صورة، لأنها تُختبر عبر الزمن، لا عبر الشاشة.

 

العمارة العربية في عصر الصورة

لم تكن المدن العربية بعيدة عن هذا التحول.

فمع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي في المنطقة، ظهرت أنماط جديدة من الأماكن التجارية والترفيهية التي أصبحت تُصمَّم جزئيًا وفق منطق الصورة الرقمية. فالكثير من المقاهي والمطاعم والمساحات العامة المعاصرة أصبحت تولي اهتمامًا كبيرًا بوجود “زوايا تصوير” جذابة، وجدران مميزة، وتفاصيل بصرية قابلة للمشاركة، بحيث يصبح الزائر جزءًا من عملية الترويج للمكان بمجرد التقاط صورة ونشرها.

هذه الظاهرة ليست سلبية بالضرورة؛ فالاهتمام بالتجربة البصرية لطالما كان جزءًا من العمارة والتصميم الداخلي. فالفراغ الجميل، والتفاصيل المدروسة، والهوية البصرية القوية، كلها عناصر يمكن أن تثري تجربة المستخدم.

لكن السؤال المعماري الأعمق يبقى:

هل صُمّم المكان ليُعاش، أم ليُصوَّر فقط؟

في بعض الحالات، تتحول المساحة إلى نوع من المسرح المؤقت؛ حيث تصبح القيمة الأساسية للفراغ مرتبطة بلحظة الالتقاط والمشاركة، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالراحة، والوظيفة، وجودة المواد، والاستدامة، والعلاقة الحقيقية بين الإنسان والمكان.

وهنا تظهر أهمية دور المعماري في إعادة التوازن.

فالعمارة العربية تاريخيًا لم تكن قائمة على الصورة وحدها. فالبيوت التقليدية في المدن العربية، من أفنية دمشق القديمة إلى أزقة القاهرة التاريخية ومجالس الخليج، لم تكن تبحث عن الاستعراض البصري، بل عن خلق علاقة عميقة بين الإنسان والمناخ والخصوصية والمجتمع.

كان الفناء الداخلي، على سبيل المثال، ليس مجرد عنصر جمالي، بل وسيلة لصناعة عالم حسي متكامل؛ ظلّ يحمي من الحرارة، وماء يلطّف الجو، ونبات يضيف الحياة، وفراغ يجمع الأسرة ويحفظ خصوصيتها.

ربما يكمن التحدي أمام العمارة العربية المعاصرة في استعادة هذا العمق، ولكن بلغة جديدة.

فليس المطلوب رفض الصورة أو مقاومة وسائل التواصل الاجتماعي، بل التأكد من أن الصورة تأتي كنتيجة لعمارة جيدة، لا كبديل عنها.

فالمكان الذي يمتلك روحًا حقيقية سيجد طريقه إلى الذاكرة قبل أن يجد طريقه إلى إنستغرام.

خسارة الأجواء

لعلّ أكثر ما تخسره العمارة عندما تصبح أسيرة للصورة هو الأجواء  (Atmosphere).

فكما يوضح زومتور، لا تُخلق الأجواء بعنصر واحد، بل تنشأ من شبكة معقدة من العلاقات الدقيقة؛ من دفء الخشب بعد شمس العصر، وصدى الخطوات تحت سقف خرساني، ورائحة المطر وهي تدخل إلى فناء داخلي، وثقل الصمت داخل كنيسة.

كل هذه الخبرات يصعب على الكاميرا أن تنقلها.

فالصورة تجمّد لحظة.

أما العمارة، فتتكشف عبر الزمن.

الكاميرا بارعة في التقاط المظهر.

أما العمارة، فجوهرها الحضور.

وهنا تكمن أهمية الظاهراتية (Phenomenology) في الفكر المعماري.

فالظاهراتية لا تسأل:

كيف يبدو المبنى؟

بل تسأل:

كيف يُعاش؟

كيف يغيّر إدراكنا لأنفسنا؟

كيف يسكن ذاكرتنا؟

وكيف يؤثر في مشاعرنا؟

وهي أسئلة يصعب أن تجد لها مكانًا في عالم الصور السريعة.

 

هل يمكن أن تجتمع الصورة الجميلة مع العمارة الأصيلة؟

الإجابة نعم.

فالمشكلة ليست في التصوير الفوتوغرافي ذاته.

لقد لعبت صور المصور الأمريكي جوليوس شولمان (Julius Shulman) دورًا محوريًا في تعريف العالم بعمارة الحداثة، وكان التصوير دائمًا وسيلة أساسية لفهم العمارة ونشرها.

لكن الخطر يبدأ عندما تصبح الصورة بديلًا عن الواقع.

فأفضل المباني المعاصرة تبدو جميلة في الصور لأنها جميلة بوصفها أماكن تُعاش.

أي أن الصورة فيها نتيجة للجودة المعمارية، وليست هدفًا مستقلًا.

وتبرهن أعمال بيتر زومتور، وألفارو سيزا (Álvaro Siza)، وتاداو أندو (Tadao Ando)، وغلين موركوت (Glenn Murcutt)، وغيرهم، أن العمارة القائمة على المادة، والسياق، والضوء، والإنسان، تمتلك قوة بصرية هادئة لا تعتمد على الاستعراض.

إنها مبانٍ تدعونا إلى زيارتها مرارًا، لا إلى الاكتفاء بالمرور عليها في شاشة الهاتف.

 

أن نصمّم للذاكرة لا للانتشار

يشير الفيلسوف والكاتب آلان دو بوتون (Alain de Botton) إلى أن العمارة تشكّل شخصياتنا بصمت؛ فهي تؤثر في مزاجنا، وعلاقاتنا، وإحساسنا بالكرامة، وحتى في خيالنا الأخلاقي، وغالبًا ما يحدث ذلك دون أن ننتبه.

أما وسائل التواصل الاجتماعي، فتدفعنا نحو عمارة تؤدي أداءً جيدًا للحظات.

بينما تحتاج الحياة إلى عمارة تؤدي أداءً جيدًا لعقود.

وهذان الأمران ليسا دائمًا متطابقين.

فالصورة الرائجة قد تعيش أربعًا وعشرين ساعة.

أما المبنى الحقيقي، فقد يرافق أجيالًا كاملة.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه المعماري اليوم ليس:

هل سيلتقط الناس صورًا لهذا المبنى؟

بل:

هل سيتذكر الناس كيف جعلهم هذا المبنى يشعرون؟

فالصور تحفظ المظاهر.

أما العمارة، فتحفظ التجارب.

وحين تُطفأ الشاشة أخيرًا، لن تكون الصورة هي ما يبقى في داخلنا.

بل المكان.

 


 

ملاحظة: غالبية الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

المراجع: 

  • Baudrillard, J. (1994). Simulacra and Simulation. University of Michigan Press.
  • Debord, G. (1994). The Society of the Spectacle. Zone Books. (Original work published 1967).
  • de Botton, A. (2006). The Architecture of Happiness. Pantheon Books.
  • Heatherwick Studio. (2019). Vessel, Hudson Yards, New York. Heatherwick Studio.
  • Norberg-Schulz, C. (1980). Genius Loci: Towards a Phenomenology of Architecture. Rizzoli.
  • Pallasmaa, J. (2012). The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses (3rd ed.). Wiley.
  • Rockwell Group. (2019). The Shed, Hudson Yards, New York. Rockwell Group.
  • Shulman, J. (2000). Julius Shulman: Modernism Rediscovered. Taschen.
  • Zumthor, P. (2006). Atmospheres: Architectural Environments – Surrounding Objects. Birkhäuser.