لطالما جرى تصوير العمارة.
لكن شيئًا ما تغيّر.
فالمبنى لم يعد يُصمَّم فقط لكي يُختبر ويُسكن ويُستخدم ويُتذكّر، بل بشكل متزايد increasingly لكي يُصوَّر، ويُنشر، ويحصل على الإعجابات، وينتشر عبر المنصات الرقمية.
يصبح الدرج خلفية للصورة.
وتتحول الواجهة إلى إطار.
ويصبح الفناء مكانًا لالتقاط صورة.
ويتحول المدخل الدرامي إلى منشور على إنستغرام.
لم يعد السؤال فقط: كيف يشعرنا هذا المبنى؟
بل أصبح أيضًا: كيف سيبدو هذا المبنى على الشاشة؟
وهذا التحول مهم.
لأن العمارة ليست صورة.
إنها لقاء مادي بين الجسد والفضاء؛ ضوء يتغير فوق جدار، وصوت خطوات، وبرودة سطح حجري، ورائحة خشب بعد المطر، وشعور بالحماية أو الانكشاف أو الترحيب أو العزلة أو السكينة أو الإلهام.
يمكن للصورة أن توثّق العمارة.
لكنها لا تستطيع أن تحتوي تجربة العمارة كاملة.
استبداد الصورة
لطالما أعطت الثقافة المعمارية الأولوية لما يمكن رؤيته. فالرسومات، والتصاميم، والـRenderings، والصور، والمجلات، والمسابقات، كلها تعتمد بدرجة كبيرة على التمثيل البصري.
وقد جاء إنستغرام ليُسرّع هذا الميل فحسب.
يقضي المعماريون سنوات في التفكير بالضوء، والمادة، والنسب، والحركة، والعلاقة بين الداخل والخارج؛ ثم تختزل كل هذه التجربة في النهاية إلى صورة على شاشة هاتف.
وقد أمضى المعماري والكاتب الفنلندي يوهاني بالاسما (Juhani Pallasmaa) جزءًا كبيرًا من أعماله في تحدي هذه الهيمنة البصرية. ففي كتابه The Eyes of the Skin، يدعو إلى عمارة تُختبر من خلال الجسد بأكمله، لا من خلال العين وحدها؛ عمارة تخاطب العين والأذن والجلد والعضلات والذاكرة، وحتى إحساسنا بالحركة داخل المكان.
وهذا يصبح أكثر أهمية في عصر نلتقي فيه بالعمارة أول مرة — وأحيانًا الوحيدة — من خلال الصور.
فقد يكون فضاء ما استثنائيًا عند زيارته، لكنه يبدو عاديًا في صورة.
وقد يكون فضاء آخر متوسطًا في تجربته الفعلية، لكنه يبدو مذهلًا أمام الكاميرا.
للكاميرا منطقها الخاص.
وللعمارة منطق آخر.

عندما تصبح قابلية التصوير جزءًا من البرنامج المعماري
لا يوجد خطأ في أن يصمم المعماري مبنى جميلًا في الصور. فالعمارة الجيدة غالبًا ما تكون كذلك.
المشكلة تبدأ عندما تصبح قابلية التصوير هدفًا بحد ذاتها.
عندما يبدأ المعماري بالسؤال عن مكان اللقطة المثالية على إنستغرام قبل أن يسأل كيف سيتحرك الناس داخل المبنى، يكون شيء أساسي قد انقلب رأسًا على عقب.
فالصورة الناجحة على وسائل التواصل تعتمد غالبًا على الجِدّة، أو التماثل، أو الأشكال الهندسية غير المألوفة، أو الألوان الصارخة، أو المبالغة في المقياس، أو حركة بصرية يمكن التعرف عليها فورًا.
ولا يعني ذلك أن هذه العناصر سيئة في حد ذاتها.
لكن عندما تتكرر اللغات المعمارية لأنها تحقق أداءً جيدًا على الإنترنت، فإن العمارة تصبح مهددة بالتحول إلى مجموعة من القوالب البصرية المتكررة.
أما التجربة الإنسانية فليست فورية.
فنحن نفهم الأماكن تدريجيًا.
نلاحظ برودة فناء مظلل بعد السير تحت الشمس. نكتشف منظرًا لم نكن نراه إلا بعد المرور في ممر ضيق. نتعلق بكرسي معين بسبب الذكريات التي تراكمت حوله. نتذكر صوت المطر تحت سقف، أو الطريقة التي يدخل بها ضوء الصباح إلى غرفة النوم.
هذه التجارب قد لا تنتج صورًا مذهلة.
لكنها تنتج شيئًا أهم:
الذاكرة.
العمارة تبدأ حيث تنتهي الصورة
يصف المعماري السويسري بيتر زومثور (Peter Zumthor) جودة العمارة بطريقة بسيطة وعميقة: المبنى يصبح مهمًا عندما يمتلك القدرة على تحريكنا والتأثير فينا. ويرتبط هذا عنده ارتباطًا وثيقًا بما يسميه الإحساس بالمكان (Atmosphere)؛ ذلك الشعور الذي ينتجه المكان فينا قبل أن نحلله بوعي.
وهذه طريقة مختلفة جذريًا للتفكير في العمارة.
فبدلًا من أن نبدأ بالسؤال:
كيف يجب أن يبدو المبنى؟
ربما علينا أن نبدأ بالسؤال:
كيف نريد أن يشعر الإنسان هنا؟
هل نريد للمدخل أن يكون احتفاليًا أم حميميًا؟
هل يجب أن تشعر غرفة النوم بالحماية؟
هل يشجع الفناء على الحوار أم العزلة؟
هل يجب أن يكون ملمس المادة دافئًا تحت اليد؟
هل ينبغي للانتقال بين الفراغات أن يخلق حالة من الترقب؟
قد لا تظهر هذه الأسئلة في البرنامج المعماري التقليدي.
لكنها غالبًا ما تكون الأشياء التي يتذكرها الناس.

نحن لا نعيش داخل الصور
فكّر في الفرق بين النظر إلى صورة لمنزل وبين العيش داخله.
قد تُظهر الصورة التكوين المثالي: جدارًا خرسانيًا، ودرجًا نحتيًا، وشجرة موضوعة بعناية، وضوءًا دراميًا في فترة ما بعد الظهر.
لكن العيش هناك يعني الاستيقاظ على ضوء الصباح.
يعني فتح الباب.
يعني سماع خطوات شخص في غرفة أخرى.
يعني حمل أكياس المشتريات عبر المدخل.
يعني الجلوس بجوار النافذة في الشتاء.
ويعني اكتشاف أن إحدى الغرف تصبح شديدة الحرارة بعد الظهر، وأن غرفة أخرى هادئة بشكل جميل، أو أن المطبخ يتحول إلى مركز الحياة العائلية رغم أنه لم يظهر مرة واحدة في الصور.
تقاس العمارة من خلال هذه اللحظات العادية.
الصورة تلتقط الاستثنائي.
أما الحياة فتحدث في العادي.
الدليل ليس فلسفيًا فقط
إن تأثير البيئة المعمارية في الإنسان ليس مجرد مسألة فلسفية أو نظرية معمارية.
هناك أيضًا أدلة تجريبية تشير إلى أن البيئة المادية يمكن أن تؤثر في رفاه الإنسان.
ففي دراسة رائدة نُشرت عام 1984 في مجلة Science، درس الباحث روجر أولريش (Roger Ulrich) مرضى يتعافون من عمليات جراحية، ووجد أن المرضى الذين كانت نوافذ غرفهم تطل على منظر طبيعي احتاجوا إلى فترات إقامة أقصر في المستشفى، وسجلت الممرضات لديهم ملاحظات سلبية أقل، كما استخدموا مسكنات قوية أقل مقارنة بمرضى كانت نوافذهم تطل على جدار من الطوب.
لا يعني ذلك أن كل مبنى يحتاج إلى منظر طبيعي خلاب.
بل يشير إلى أن قرارات بيئية تبدو بسيطة يمكن أن تكون لها نتائج تتجاوز الجماليات.
الضوء مهم.
والمناظر مهمة.
والمادة مهمة.
والصوتيات مهمة.
والخصوصية مهمة.
وطريقة الحركة داخل المكان مهمة.
فالعمارة قادرة على التأثير في الطريقة التي نشعر بها، وفي بعض الظروف، حتى في الطريقة التي نتعافى بها.
ويطرح الكاتب والفيلسوف آلان دو بوتون (Alain de Botton) فكرة مشابهة في كتابه The Architecture of Happiness؛ فالبيئات التي تحيط بنا يمكن أن تؤثر في هويتنا وفي الطريقة التي نعيش بها حياتنا. وبالتالي، لا تتعلق العمارة ببناء المأوى فقط، بل ببناء بيئات قادرة على دعم أنماط معينة من الحياة.

الخوارزمية تكافئ الاستعراض
تضيف وسائل التواصل الاجتماعي مشكلة أخرى: التكرار.
فعندما تصبح لغة بصرية معينة ناجحة على الإنترنت، سرعان ما يجري تقليدها.
الدرج المنحني.
الفتحة الدائرية الضخمة.
الداخل أحادي اللون.
القوس العملاق.
الصندوق الخرساني.
الشجرة المؤطرة بعناية.
الدرج النحتي المصمم ليُصوَّر من زاوية واحدة مثالية.
ولا يوجد أي خطأ في هذه العناصر بحد ذاتها.
لكن عندما تتكرر لأن الخوارزمية تكافئها، تصبح العمارة معرضة لأن تتحول إلى سلسلة من الصور التي تشبه بعضها بعضًا.
وأظهرت دراسة حديثة تناولت مئات الآلاف من منشورات إنستغرام المرتبطة بمبانٍ أيقونية تمييزًا مثيرًا للاهتمام: فالمباني التي جذبت الانتباه أساسًا بسبب مظهرها المعماري شهدت ارتفاعًا سريعًا في شعبيتها الرقمية ثم تراجعًا لاحقًا، بينما المباني التي ركزت المنشورات المتعلقة بها على وظائفها الثقافية ومرافقها، اكتسبت الاهتمام بصورة أكثر تدريجية واستمرارية.
بمعنى آخر:
يمكن للتأثير البصري أن يصنع الانتباه، لكنه لا يصنع بالضرورة ارتباطًا طويل الأمد.
وربما هنا تحديدًا يجب أن تستعيد العمارة تمييزًا مهمًا.
الانتباه ليس هو التعلّق.
والانتشار ليس هو الذاكرة.
والشهرة ليست هي المعنى.
يجب أن يبقى المبنى بعد اختفاء المنشور
تخيل أنك حذفت جميع صور مبنى ما من إنستغرام.
هل ستظل العمارة مهمة؟
هل سيستمتع الناس بالبقاء فيه؟
هل سيعودون إليه؟
هل سيتذكرون أجواءه؟
هل سيحسن المبنى تجربة الشارع؟
هل ستزداد مواده جمالًا مع مرور الزمن؟
هل سيطوّر الناس طقوسًا خاصة مرتبطة بالمكان؟
هل سيصبح المبنى جزءًا من ذاكرتهم؟
ربما تكون هذه الأسئلة أهم من السؤال عن عدد المشاهدات التي سيحصل عليها المشروع.
وقد أصبح نقد العمارة التي تُصمَّم تحت تأثير إنستغرام حاضرًا بشكل متزايد في الخطاب المعماري المعاصر. فقد أشار عدد من النقاد إلى أن تصميم المباني بوصفها وجهات مخصصة لوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يشجع على الاستعراض على حساب الوظيفة، والاستدامة، والمتانة، والتجربة الحقيقية.
لكن الحل ليس في رفض إنستغرام.
يجب على المعماريين استخدام التصوير.
ويجب عليهم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.
ويجب عليهم أن يتعلموا كيف يقدّمون أعمالهم.
ويجب عليهم أن يفهموا كيف تُرى العمارة وتناقش في العالم الرقمي.
الخطأ هو أن نسمح للتمثيل الرقمي بأن يصبح أهم من الواقع المادي.

صمّم التجربة أولًا
ربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي يمكن للمعماري أن يطرحه اليوم ليس:
هل سيصوّر الناس هذا المكان؟
بل:
ماذا سيتذكر الناس بعد أن يغادروا؟
هذا السؤال يغيّر كل شيء.
ينقل اهتمامنا من الواجهة إلى العتبة.
ومن الشيء إلى الأجواء.
ومن التكوين إلى التسلسل.
ومن الصورة إلى الجسد.
ومن الجِدّة إلى المعنى.
ومن لحظة النشر إلى مرور الزمن.
قد تصبح العمارة الجيدة صورًا جميلة.
وقد تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
وقد تتحول إلى معلم معروف على إنستغرام.
لكن يجب أن تكون هذه نتائج للعمارة، لا السبب الذي وُجدت من أجله.
لأن العمارة تمتلك مسؤولية لا تمتلكها الصورة.
الصورة تطلب منا أن ننظر.
أما العمارة فتطلب منا أن نعيش.
وربما تكون العمارة الأكثر أهمية هي تلك التي لا تجعلنا نمد أيدينا إلى هواتفنا.
بل تجعلنا ننسى أننا نحملها.

ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
المراجع:
- Pallasmaa, J. — The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses. Wiley. A foundational text on multisensory and embodied architectural experience.
- Pallasmaa, J. — “Space, Place and Atmosphere: Emotion and Peripheral Perception in Architectural Experience.” Lebenswelt.
- Zumthor, P. — Atmospheres: Architectural Environments, Surrounding Objects. A key reference for understanding atmosphere and emotional response in architecture.
- Ulrich, R. S. (1984) — “View Through a Window May Influence Recovery from Surgery.” Science, 224(4647), 420–421.
- de Botton, A. — The Architecture of Happiness. A philosophical exploration of the relationship between built environments, identity and wellbeing.
- “Visuality peaks, function lasts: an empirical investigation into the performance of iconic architecture on Instagram.” Archnet-IJAR, 2024. The study analysed approximately 264,000 Instagram posts and 140,000 images relating to 16 iconic buildings.
- Finn, P. — “Against Novelty Buildings: Why Architects Shouldn’t Design for Instagram.” Architizer Journal.
- The Guardian — “Snapping point: how the world’s leading architects fell under the Instagram spell.” A useful discussion of how social media has influenced architectural design and presentation.







