كوبنهاغن: من السيارات إلى الإنسان!

 تكشف تجربة كوبنهاغن كيف يمكن للتخطيط الحضري أن يتجاوز استيعاب السيارات، ليُنشئ شوارع ومساحات عامة وأنظمة نقل تدعم حياة يومية أفضل.

غالبًا ما تتشكّل المدن وفقًا لأولويات العصر الذي تنمو فيه. فخلال جزء كبير من القرن العشرين، أدّى الانتشار المتزايد للسيارات إلى تغيير ملامح التخطيط الحضري في أوروبا وخارجها. واتسعت الطرق، وتطورت البنية التحتية المرورية، وأصبحت حركة المركبات عنصرًا أساسيًا في تصميم البيئات الحضرية.

لم تكن كوبنهاغن، عاصمة الدنمارك، استثناءً من هذا التحول. لكن تطورها اللاحق يقدم درسًا مهمًا حول كيفية إعادة النظر في هذه الأولويات. فعلى مدى عقود، أصبحت مسارات الدراجات، وشوارع المشاة، والمساحات العامة عناصر أكثر أهمية في تخطيط المدينة.

ليست هذه قصة مدينة أعطت الإنسان الأولوية منذ البداية، بل قصة مدينة غيّرت مسارها تدريجيًا.

عندما أصبحت السيارة أولوية

بعد الحرب العالمية الثانية، أثّر ارتفاع مستويات المعيشة وتزايد امتلاك السيارات في تطور المدن الأوروبية. وسارت كوبنهاغن في الاتجاه نفسه، إذ فرضت زيادة حركة المركبات متطلبات جديدة على الشوارع والبنية التحتية للنقل.

أوجد هذا التحول تعارضًا بين الاستخدامات المختلفة للفضاء الحضري. فالشوارع التي كانت تستوعب المشاة والدراجات وأنشطة يومية متنوعة، أصبحت مطالبة بالتعامل مع حركة مرورية متزايدة. وأحيانًا جاء تخصيص المزيد من المساحة للمركبات على حساب المشي وركوب الدراجات والأنشطة الاجتماعية التي تجعل الشارع جزءًا من الحياة اليومية.

لكن تاريخ كوبنهاغن يوضح أن هذا المسار لم يكن حتميًا، ولم يستمر دون تغيير.

في عام 1962، حوّلت المدينة شارع سترøغيت  (Strøget)، وهو أحد الشوارع التجارية الرئيسية في مركزها، إلى شارع مخصص للمشاة. مثّل هذا التدخل محطة مهمة في إعادة التفكير في استخدام الفضاء الحضري، إذ تحدّى الافتراض القائل إن الشوارع المركزية يجب أن تعطي الأولوية لحركة السيارات.

لاحقًا، ارتبط اسم المعماري ومخطط المدن يان غيل (Jan Gehl) بدراسة الحياة العامة والعلاقة بين البيئة المبنية والسلوك الإنساني. وشجعت أعماله المصممين والمخططين على الاهتمام بكيفية استخدام الناس الفعلي للشوارع والساحات، بدلًا من تقييمها اعتمادًا على حركة المرور أو المظهر المعماري وحدهما.

كان التحول في طريقة التفكير جوهريًا؛ إذ أصبح من الممكن النظر إلى المدينة ليس فقط باعتبارها نظامًا لنقل الناس بين وجهاتهم، بل باعتبارها بيئة تجري فيها تفاصيل الحياة اليومية.

نقطة التحول في سبعينيات القرن العشرين

لم يحدث تحول كوبنهاغن بين ليلة وضحاها. بل يكشف تاريخ البنية التحتية للدراجات عن فترة اتجهت فيها المدينة نحو استيعاب السيارات، قبل أن تعيد تغيير مسارها.

وتقدم دراسة مهمة أعدّها ترينه أغرفيغ كارستنسن وزملاؤه  (Trine Agervig Carstensen et al.)، ونُشرت عام 2015 في مجلة الجغرافيا الدنماركية  (Geografisk Tidsskrift-Danish Journal of Geography)، توثيقًا تاريخيًا لتطور البنية التحتية للدراجات في كوبنهاغن بين عامي 1912 و2013، اعتمادًا على الخرائط التاريخية.

وجد الباحثون أن البنية التحتية للدراجات شهدت تراجعًا بين عامي 1970 و1974، مع إزالة نحو 23 كيلومترًا منها بصافي التغير خلال تلك الفترة. لكن العقد التالي شهد تحولًا ملحوظًا؛ إذ توسعت الشبكة بنحو 94 كيلومترًا بين عامي 1975 و1985.

تكشف هذه الأرقام عن نقطة تحول مهمة. فلم تكن هوية كوبنهاغن بوصفها مدينة صديقة للدراجات مجرد امتداد لتقليد مستمر دون انقطاع، بل تشكّلت من خلال مراحل تغيّرت فيها الأولويات، وتنافست فيها الاستخدامات المختلفة للفضاء الحضري، ثم تجدد الاستثمار في البنية التحتية.

وجاء هذا التحول في سياق أوسع شمل أزمة النفط عام 1973، وتزايد الوعي البيئي، وارتفاع الاهتمام العام بمشكلات المرور وجودة الحياة الحضرية. وأسهمت هذه التطورات في إثارة تساؤلات أوسع حول استدامة أنظمة النقل المعتمدة على السيارات.

كما لعب الضغط الشعبي دورًا مهمًا. فقد طالبت مجموعات من المواطنين ومنظمات الدراجات بمسارات أكثر أمانًا وظروف أفضل للتنقل، مما ساعد على إعادة وضع الدراجات ضمن أولويات التخطيط الحضري.

ولا تشير الأدلة التاريخية إلى أن حدثًا واحدًا كان مسؤولًا عن هذا التحول؛ بل تعكس تجربة كوبنهاغن تفاعل المطالب الشعبية والقرارات السياسية والاستثمار في البنية التحتية وتغيّر الأفكار حول ما ينبغي أن توفره المدينة لسكانها.

من مسارات الدراجات المنفردة إلى شبكة حضرية متكاملة

من أهم الدروس التي تقدمها كوبنهاغن أن إنشاء مسارات منفردة للدراجات لا يكفي وحده لإحداث تحول في وسائل التنقل داخل المدينة.

تُظهر الدراسات التاريخية أن كوبنهاغن طوّرت تدريجيًا شبكة أكثر ترابطًا من مسارات الدراجات. فعلى الرغم من وجود هذه المسارات منذ عقود، لم تكن جميعها متصلة ببعضها بصورة فعالة، وهو ما حدّ من فائدة الشبكة ككل.

وخلال ثمانينيات القرن العشرين والعقود اللاحقة، أصبحت الشبكة أكثر تكاملًا، وبدأ التخطيط يهتم بصورة متزايدة بكيفية ربط المسارات بالأحياء والوجهات المختلفة والبلديات المحيطة.

وهنا يكمن الفرق الجوهري: قد يحسّن مسار للدراجات شارعًا واحدًا، لكن الشبكة المترابطة يمكن أن تغيّر طريقة تنقل الناس في المدينة بأكملها.

عندما تربط مسارات الدراجات بين المنازل وأماكن العمل والمدارس والمتاجر والمساحات العامة، يصبح استخدامها خيارًا عمليًا للتنقل اليومي، بدلًا من أن يقتصر على الترفيه أو الرحلات القصيرة.

وينطبق المبدأ نفسه على البنية التحتية للمشاة. فالرصيف المريح يفقد جزءًا كبيرًا من فائدته إذا انتهى عند تقاطع غير آمن، والساحة العامة لا تستطيع خدمة الحي بصورة كاملة إذا كان الوصول إليها يتطلب عبور طرق تشكل عائقًا أمام المشاة.

لذلك، لا يعتمد نجاح التصميم الحضري المتمحور حول الإنسان على جودة المساحات الفردية فحسب، بل أيضًا على العلاقات التي تربط بينها.

وتوضح تجربة كوبنهاغن كيف تصبح البنية التحتية أكثر فاعلية عندما تُخطط باعتبارها جزءًا من نظام حضري متكامل.

ماذا يتغير عندما تُصمَّم الشوارع لخدمة الإنسان؟

تتجاوز أهمية التحول الذي شهدته كوبنهاغن مسألة النقل.

فعندما توفر المدن مسارات آمنة للدراجات وأرصفة مريحة ومساحات عامة يسهل الوصول إليها، فإنها تتيح للناس فرصًا أكبر لدمج الحركة في روتينهم اليومي. ويمكن أن تتحول الرحلة إلى العمل إلى فرصة للنشاط البدني، والساحة القريبة إلى مكان للقاء الأصدقاء، والشارع المخصص للمشاة إلى مساحة تدعم الأنشطة الاجتماعية والتجارية بدلًا من أن يكون مجرد ممر لحركة المرور.

لكن هذه النتائج لا تحدث تلقائيًا بمجرد إنشاء البنية التحتية. فهي تعتمد على طريقة تصميم المسارات، والوجهات التي تصل إليها، ومدى سهولة الوصول إليها، وعلاقتها بالبيئة الحضرية المحيطة.

ومع ذلك، تدعم الأبحاث العلاقة الأوسع بين التصميم الحضري ورفاه الإنسان.

ففي مراجعة منهجية نُشرت عام 2023 في مجلة الصحة العامة  (BMC Public Health)، تناولت 40 دراسة لتقييم الأثر الصحي (Health Impact Assessments)، وجد الباحثون أن معظم الدراسات رصدت نتائج إيجابية على الصحة أو السلوكيات المرتبطة بها، عقب التدخلات الهادفة إلى تحسين قابلية المشي (Walkability) في البيئات الحضرية.

وتعزز هذه النتائج أهمية تصميم بيئات حضرية تجعل المشي خيارًا عمليًا ومريحًا. كما تشير إلى أن فوائد التخطيط الحضري يمكن أن تتجاوز كفاءة النقل لتؤثر في الصحة والسلوك اليومي.

لذلك، لا تقتصر دلالة تجربة كوبنهاغن على تشجيع الناس على استخدام الدراجات، بل توضح كيف يمكن لتصميم الشوارع وشبكات النقل أن يؤثر في الخيارات المتاحة للسكان.

طريقة مختلفة لقياس نجاح المدن

يطرح التحول الذي شهدته كوبنهاغن سؤالًا أوسع حول كيفية تقييم المدن لتطورها.

فقد ركزت العديد من المشاريع الحضرية لعقود على قدرتها على استيعاب حركة المرور، أو تحسين حركة المركبات، أو دعم النمو الاقتصادي. ولا تزال هذه اعتبارات مهمة، لكنها لا تفسر بصورة كاملة ما إذا كانت المدينة توفر بيئة يومية جيدة لسكانها.

يبدأ النهج المختلف من تجربة الأشخاص الذين يستخدمون المدينة.

هل يستطيع الطفل الوصول إلى مدرسته بأمان؟ هل يمكن لشخص مسن المشي إلى متجر قريب؟ هل يستطيع السكان الوصول إلى أماكن عملهم دون الاعتماد على سيارة خاصة؟ هل توجد أماكن مريحة للجلوس والالتقاء وقضاء الوقت في الهواء الطلق؟ وهل يمكن التنقل بين الأحياء دون مواجهة أرصفة متقطعة أو مسارات غير آمنة للمشاة؟

تنقل هذه الأسئلة الاهتمام من البنية التحتية باعتبارها غاية في حد ذاتها إلى الاحتياجات الإنسانية التي يفترض أن تخدمها.

وتكشف تجربة كوبنهاغن أيضًا أن هذا التحول يتطلب أكثر من تدخل معماري منفرد. فهو يحتاج إلى استثمار مستمر، وبنية تحتية مترابطة، ومشاركة مجتمعية، واستعداد سياسي لإعادة النظر في كيفية توزيع المساحات الحضرية.

كان التحول تدريجيًا ولم يكتمل بصورة نهائية. فالسيارات لم تختفِ، ولا تزال كوبنهاغن تواجه تحديات تتعلق بالمرور وتكاليف المعيشة وتوزيع الموارد الحضرية. لكن أهميتها بوصفها دراسة حالة لا تكمن في تقديم مدينة مثالية، بل في إظهار أن أولويات التخطيط الراسخة يمكن أن تتغير.

ماذا يمكن للمدن الأخرى أن تتعلم من كوبنهاغن؟

تكتسب تجربة كوبنهاغن أهمية للمدن حول العالم، لكن دروسها لا يمكن نقلها حرفيًا دون مراعاة الظروف المحلية.

ففي عمّان، على سبيل المثال، تفرض هيمنة السيارات، وطبيعة التضاريس شديدة الانحدار في العديد من الأحياء، وحرارة الصيف، وتقطّع مسارات المشاة تحديات تختلف عن تلك الموجودة في كوبنهاغن.

ويتطلب تطبيق المبادئ الأساسية حلولًا ملائمة للسياق المحلي، مثل الأرصفة المظللة، والمعابر الآمنة، والنقل العام الموثوق، ومسارات المشي المترابطة، والمساحات العامة التي تقع على مسافة مناسبة من الأحياء السكنية.

كما يتطلب التعامل مع البنية التحتية للمشاة والدراجات باعتبارها مكونات أساسية في التطوير الحضري، بدلًا من إضافتها بعد الانتهاء من تصميم الطرق والمباني.

فالهدف ليس جعل عمّان تبدو مثل كوبنهاغن، بل إعادة النظر في الأولويات التي تشكّل المدينة.

إن المدينة المصممة حول الإنسان تدرك أن التنقل يتعلق بإمكانية الوصول، وليس بالسرعة وحدها؛ وأن المساحات العامة جزء من الحياة اليومية، وليست مجرد فراغات متبقية بين المباني؛ وأن نجاح البيئة الحضرية يرتبط بقدرتها على تمكين الناس من العيش براحة وأمان واستقلالية.

ويُظهر تاريخ كوبنهاغن أن هذه الأولويات ليست ثابتة، بل يمكن أن تتطور عندما يعيد المواطنون والمصممون وصنّاع القرار التفكير فيما يتوقعونه من الأماكن التي يعيشون فيها.

الخاتمة: تغيير أولويات المدينة

لم تتحول كوبنهاغن إلى مدينة تتمحور حول الإنسان من خلال مخطط رئيسي واحد أو لحظة سياسية حاسمة. بل جاء تحولها نتيجة عقود من التغييرات التي طالت الشوارع ومسارات الدراجات والمساحات العامة وأولويات التخطيط.

ويكتسب تاريخ المدينة أهمية خاصة لأنه يكشف اتجاهين للتغيير الحضري: التوسع في استيعاب حركة السيارات خلال مرحلة معينة، ثم العودة إلى الاستثمار في الدراجات والبيئات الحضرية الأكثر مراعاة للإنسان.

ويذكّرنا ذلك بأن الشوارع ليست مساحات محايدة؛ فطريقة تصميمها تحدد توزيع الفرص، وتشكل أنماط الحركة، وتؤثر في كيفية تجربة الناس للمكان المحيط بهم.

وبالنسبة إلى المعماريين والمخططين الحضريين، لا يتمثل الدرس في أن تصبح كل مدينة نسخة من كوبنهاغن، بل في أن تعيد كل مدينة النظر فيما إذا كانت بيئتها المبنية تعكس احتياجات الأشخاص الذين يعيشون فيها.

تكشف أولويات المدينة عن نفسها في المساحة التي تمنحها للناس، والرحلات التي تتيحها لهم، والتجارب اليومية التي يشجع تصميمها على عيشها.

 


 

ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

المراجع: 

  1. Carstensen, T. A., Olafsson, A. S., Bech, N. M., Poulsen, T. S., & Zhao, C. (2015). “The spatio-temporal development of Copenhagen’s bicycle infrastructure 1912–2013.” Geografisk Tidsskrift-Danish Journal of Geography, 115(2), 142–156. https://doi.org/10.1080/00167223.2015.1034151
  2. University of Copenhagen. “From Cycle Paths to Cycle Networks: The History of Copenhagen’s Cycle Paths, 1912–2013.” Research summary and historical data.
  3. Westenhöfer, J., et al. (2023). “Walkability and urban built environments—a systematic review of health impact assessments (HIA).” BMC Public Health, 23, 518. https://doi.org/10.1186/s12889-023-15394-4
  4. Gehl, J., & Gemzøe, L. (1996). Public Spaces, Public Life. Danish Architectural Press.