العمارة بلا روح (Atmosphere) ليست سوى إنشاء

قد يكون المبنى متينًا من الناحية الإنشائية، ومدروس التفاصيل بعناية، وفعالًا تقنيًا، ومثيرًا للإعجاب بصريًا، ومع ذلك يترك فينا شعورًا بالفراغ.

قد يمتلك نسبًا متقنة، ومواد باهظة الثمن، وتقنيات متطورة، وواجهة مصممة بعناية، لكنه يفشل في خلق أي ارتباط عاطفي مع الشخص الذي يدخله. قد يؤدي وظيفته كمبنى، لكنه لا يتحول بالضرورة إلى عمارة.

ما يفصل بين الاثنين غالبًا هو شيء يصعب قياسه: الروح (Atmosphere).

الروح (Atmosphere) ليست طبقة إضافية تُضاف إلى العمارة. وليست نتيجة الأثاث أو الزخارف أو الشموع المعطرة أو الأعمال الفنية المختارة بعناية. إنها تنشأ من العلاقة بين الفراغ، والضوء، والمادة، والصوت، ودرجة الحرارة، والمقياس، والحركة، والذاكرة، والجسد البشري.

وضع المعماري بيتر زومثور (Peter Zumthor) الروح (Atmosphere) في صميم التجربة المعمارية. ففي كتابه Atmospheres، يصفها بوصفها إحساسًا يُدرك مباشرة من خلال الحساسية العاطفية؛ شيئًا نختبره قبل أن نحلل بوعي العناصر الفردية التي تكوّنه. فالعمارة، بهذا المعنى، تُختبر قبل أن تُفهم.

ندخل إلى غرفة فنشعر بها قبل أن نتمكن من تفسيرها.

نشعر بأنها هادئة أو خانقة، حميمة أو مكشوفة، دافئة أو بعيدة، مقدسة أو عادية. قد لا نعرف السبب فورًا، لكن الروح (Atmosphere) تكون قد بدأت بالحديث إلينا.

ما يتجاوز ما تراه العين

تُختبر نسبة كبيرة من العمارة المعاصرة من خلال الصور قبل أن تُختبر بصورة مباشرة.

يُصوَّر المشروع، ويُنتج بصريًا، ويُنشر، ويُتداول، ويُستهلك عبر الشاشة. ونتيجة لذلك، قد تصبح العمارة أكثر انشغالًا بما يمكن رؤيته، وأقل اهتمامًا بما يمكن الشعور به.

كرّس المعماري والكاتب يوهاني بالاسما (Juhani Pallasmaa) جانبًا كبيرًا من أعماله لمواجهة هذه الهيمنة البصرية. ففي كتابه The Eyes of the Skin، يرى أن اختزال العمارة في التجربة البصرية يفقِر فهمنا للبيئة المبنية. فالعمارة تُختبر من خلال الجسد بأكمله: اللمس، والصوت، والرائحة، ودرجة الحرارة، والحركة، والذاكرة.

الجدار الحجري ليس مجرد شيء ننظر إليه.

له درجة حرارة، وملمس، وطريقة في عكس الصوت أو امتصاصه. يتغير تحت أشعة الشمس، ويعكس مرور الزمن، وقد يحمل رائحة المطر. وقد تؤدي خشونته إلى إبطاء اليد التي تلمسه.

ويُنتج الأرضية الخشبية عالمًا صوتيًا مختلفًا عن ذلك الذي تنتجه الحجارة المصقولة. وقد يخلق السقف المنخفض إحساسًا بالحميمية، بينما يبعث السقف المرتفع شعورًا بالمسافة. ويمكن للممر الضيق أن يزيد من وعينا بالمكان قبل أن يطلق الجسد إلى فراغ أوسع.

لا يمكن نقل أي من هذه التجارب بصورة كاملة عبر صورة فوتوغرافية.

ولهذا، لا يمكن اختزال العمارة في الشكل.

تبدأ الروح (Atmosphere) قبل المبنى

غالبًا ما يُنظر إلى الروح (Atmosphere) بوصفها شيئًا يحدث داخل المبنى بعد اكتماله. لكنها في الحقيقة تبدأ قبل ذلك بكثير، مع القرارات المتعلقة بموقع المبنى، وما يواجهه، وكيف يستقبل الضوء، وكيف يقترب منه الإنسان.

فالمنزل المحاط بالأشجار ينتج تجربة مختلفة عن منزل مكشوف من جميع الجهات.

والفناء الداخلي يخلق علاقة مختلفة مع السماء عن تلك التي تخلقها الواجهة الزجاجية بالكامل.

يمكن للنافذة أن تؤطر منظرًا طبيعيًا، أو تسمح بدخول الضوء، أو تحقق الخصوصية، أو تحجب منظرًا بصورة مقصودة. وقد يكون غياب الفتحة ذا أثر جوي يوازي أثر وجودها.

فالعمارة لا تشغل المكان فحسب، بل تنشئ علاقة معه.

وهذا قريب مما بحث فيه كريستيان نوربرغ-شولتز (Christian Norberg-Schulz) من خلال مفهوم روح المكان (Genius Loci)؛ أي الطابع أو الروح الخاصة التي تميز المكان. تكتسب العمارة معناها عندما تستجيب للصفات المميزة لبيئتها، بدلًا من التعامل مع الموقع كسطح فارغ يمكن وضع جسم معماري عليه.

تتشكّل روح (Atmosphere) المكان من مناخه، وجغرافيته، وتاريخه، وضوئه، وأصواته، ومواده، وأنماط الحياة فيه.

وقد يقف المبنى الذي يتجاهل هذه الظروف بنجاح على موقعه، لكنه قد لا ينتمي إليه حقًا.

عمارة الزمن

الروح (Atmosphere) مرتبطة أيضًا بالزمن.

فالغرفة في الثامنة صباحًا ليست بالضرورة الغرفة نفسها عند غروب الشمس. إذ يغيّر تحرك الضوء على الجدار طابع المكان. وتطول الظلال، وتتبدل الألوان التي تمتصها المواد أو تعكسها، وتتغير طريقة انتقال الأصوات مع هدوء البيئة المحيطة.

لذلك، لا تُختبر العمارة بوصفها صورة واحدة، بل بوصفها سلسلة من اللحظات.

ندخل.

نتوقف.

نلتفت.

ننتقل من الظلام نحو الضوء.

يُغلق الباب خلفنا.

يتغير صوت خطواتنا.

يظهر منظر بعيد تدريجيًا.

تلامس حزمة من ضوء الشمس الأرضية.

هذه التحولات الصغيرة تصنع التجربة المعمارية.

يولي زومثور اهتمامًا خاصًا للعلاقة بين المادة، والضوء، والصوت، والحركة. وتوحي مقاربته بأن العمارة يمكن أن تُؤلَّف أشبه بالموسيقى؛ ليس من خلال الأجسام والأشكال فحسب، بل من خلال الإيقاع، والصمت، والتكرار، والانتقال، وامتداد اللحظة. كما تؤكد تأملاته في المواد أن اجتماعها يولّد علاقات وتأثيرات متبادلة تسهم مباشرة في تشكيل الروح (Atmosphere).

وهكذا يصبح المبنى شيئًا نتحرك خلاله، لا شيئًا ننظر إليه فقط.

المادة ليست سطحًا

تُعدّ المادة من أقوى الأدوات في تشكيل الروح (Atmosphere) المعمارية.

لكن التعامل مع المواد غالبًا ما يُختزل في مظهرها: الرخام يعني الفخامة، والخرسانة تعني الحداثة البسيطة، والخشب يعني الدفء، والحجر يعني الديمومة.

وتصبح العمارة أضعف عندما تُعامل المواد بوصفها رموزًا بصرية، لا موادًا ذات حضور فيزيائي.

للمادة وزن، ودرجة حرارة، وملمس، وخصائص صوتية، ورائحة، وقابلية للتقادم. وهي تتفاعل مع الضوء بصورة مختلفة باختلاف أوقات النهار، وتتغير مع الاستخدام.

قد يبدو الحجر نفسه باردًا تحت إضاءة اصطناعية، ودافئًا تحت ضوء فترة ما بعد الظهر.

وقد تبدو الخرسانة نفسها قاسية في بيئة، ومبعثة على الراحة في بيئة أخرى.

لا تنشأ الروح (Atmosphere) من المادة وحدها، بل من العلاقة بين المادة، والفراغ، والضوء، والجسد، والزمن.

ولهذا، نادرًا ما تبدو عمارة زومثور كأنها قائمة من المواد. فالمواد تصبح جزءًا من تكوين حسي أوسع.

العمارة غير المرئية

ربما تكون أهم عناصر العمارة أحيانًا هي تلك التي لا يمكن تصويرها.

الصمت.

درجة الحرارة.

الرائحة.

الصوتيات المعمارية (Architectural Acoustics).

الإحساس بالانضغاط قبل الدخول إلى فراغ أكبر.

المسافة النفسية بين شخصين.

الشعور بالخصوصية الذي يخلقه جدار.

الإحساس بالأمان الذي يوفره مدخل محمي.

حالة الترقب التي يصنعها منظر محجوب جزئيًا.

هذه كلها شروط معمارية، رغم صعوبة رسمها.

وتؤكد كتابات بالاسما حول الروح (Atmosphere) أن التجربة المعمارية متعددة الحواس، وأنها غالبًا ما تُدرك بصورة محيطية وغير واعية. فنحن نستشعر طابع المكان قبل أن نحدد بوعي العناصر المسؤولة عنه.

ولعل هذا يفسر بقاء بعض الفراغات في ذاكرتنا لسنوات، حتى عندما نعجز عن تذكر أبعادها الدقيقة.

نتذكر كيف جعلتنا نشعر.

من الإنشاء إلى العمارة

يمنحنا الإنشاء الجدران، والأسقف، والأرضيات، والفتحات، والهياكل، والأنظمة.

أما العمارة، فتمنح هذه العناصر علاقات ومعنى.

ولا يتعلق الفرق بالتعقيد. ففي الواقع، قد تنشأ الروح (Atmosphere) من عمارة شديدة البساطة.

نافذة صغيرة موضوعة بدقة باتجاه شجرة.

جدار حجري خشن يستقبل ضوء الصباح.

فناء مظلل.

صوت الماء تحت درج.

مدخل منخفض يفتح على غرفة مرتفعة.

مقعد موضوع في المكان الذي تصله شمس فترة ما بعد الظهر.

لا يحتاج أي من هذه العناصر إلى البذخ.

فالروح (Atmosphere) غالبًا ما تُنتج من الدقة لا من الوفرة.

ولهذا، فإن السعي إلى خلق الروح (Atmosphere) لا يعني رفض الوظيفة، أو التكنولوجيا، أو الإنشاء. بل على العكس، ترتبط الأبعاد التقنية والعاطفية للعمارة ارتباطًا وثيقًا. فالطريقة التي يُبنى بها الجدار تؤثر في كتلته، ودرجة حرارته، وملمسه، وصوته، وعلاقته بالضوء. فالإنشاء ليس منفصلًا عن التجربة؛ إنه إحدى الوسائل التي تتشكل من خلالها التجربة.

وتصبح العمارة قوية عندما يتحول القرار التقني والتجربة الإنسانية إلى قرار واحد.

تصميم ما لا يمكن إظهاره في الرندر (Rendering)

لعل هذا أحد أكبر التحديات التي تواجه العمارة اليوم.

لقد أصبحنا بارعين بصورة استثنائية في تمثيل المباني قبل وجودها. إذ تستطيع التصييرات المعمارية (Architectural Renderings) إظهار المواد، والأثاث، والمناظر الطبيعية، والانعكاسات، والأشخاص، والإضاءة الدرامية بدقة مذهلة.

لكن التصيير لا يستطيع أن ينقل بصورة كاملة رائحة الحجر المبتل بعد المطر.

ولا يمكنه إعادة إنتاج الخصائص الصوتية لممر.

ولا يستطيع أن يعيد ملمس جدار تحت اليد.

ولا يمكنه محاكاة الراحة النفسية التي يوفرها مدخل محمي.

ولا يمكنه إظهار التغير التدريجي لضوء الشمس على مدى عشرين عامًا.

ولا يستطيع أن يخبرنا ما إذا كان المبنى سيجعلنا نرغب في البقاء.

هذا لا يجعل التمثيل البصري أمرًا غير مهم. لكنه يذكرنا ببساطة بأن الصورة ليست العمارة.

الصورة توقع.

أما العمارة فهي التجربة.

العمارة بوصفها بيئة عاطفية

إن تصميم الروح (Atmosphere) يعني في جوهره التصميم من أجل التجربة الإنسانية.

ويعني ذلك طرح أسئلة تتجاوز: كيف ينبغي أن يبدو هذا المبنى؟

كيف ينبغي أن يشعر الإنسان عند دخوله؟

أين ينبغي أن يبطئ خطواته؟

أين ينبغي أن يشعر بالحماية؟

وأين ينبغي أن يختبر الانفتاح؟

ماذا ينبغي أن يسمع؟

ماذا ينبغي أن يلمس؟

ما الذي ينبغي أن يبقى مخفيًا؟

أين ينبغي أن يسقط الضوء؟

ما الذي ينبغي أن يتغير مع الزمن؟

وما الذاكرة التي قد يصنعها هذا المكان؟

تنقل هذه الأسئلة العمارة من الاهتمام بالجسم إلى الاهتمام بالإنسان.

كما تذكرنا بأن العمارة لا تكتمل عند انتهاء الإنشاء، بل تكتسب اكتمالها عندما تُسكن؛ عندما يبدأ الضوء، والطقس، والأجساد، والأصوات، والعادات، والذكريات باحتلالها.

عندها يكتسب المبنى حضورًا خاصًا به.

فالعمارة، في نهاية المطاف، لا تتعلق ببناء بيئة مادية فحسب.

بل تتعلق ببناء تجربة.

ومن دون الروح (Atmosphere)، مهما بلغ الإنشاء من تطور، لا يبقى أمامنا سوى هيكل قائم، لكنه لا يتحدث بالضرورة.

تبدأ العمارة عندما يصبح الإنشاء تجربة محسوسة.

 


 

ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

المراجع:  

  • Böhme, Gernot. Atmosphere as the Fundamental Concept of a New Aesthetics. Routledge, 2017.
  • Norberg-Schulz, Christian. Genius Loci: Towards a Phenomenology of Architecture. Rizzoli, 1980.
  • Pallasmaa, Juhani. The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses. Wiley, 4th ed., 2024.
  • Pallasmaa, Juhani. “The Sixth Sense: The Meaning of Atmosphere and Mood.” Architectural Design, 2016.
  • Pallasmaa, Juhani. “Space, Place and Atmosphere: Emotion and Peripheral Perception in Architectural Experience.” Lebenswelt, 2014.
  • Zumthor, Peter. Atmospheres: Architectural Environments, Surrounding Objects. Birkhäuser, 2006.
  • OASE #91, Building Atmosphere. OASE Journal, featuring contributions and discussions by Peter Zumthor, Juhani Pallasmaa, and Gernot Böhme.