لماذا نشعر بالراحة في بعض الأماكن وبالقلق في أماكن أخرى؟

ندخل بعض الأماكن فنشعر أننا وصلنا إلى المنزل، وندخل أماكن أخرى فنشعر برغبة خفية في المغادرة.

قد يبدو هذا الشعور غامضًا، بل وربما شخصيًا إلى درجة يصعب تفسيرها. لكن خلال العقود الماضية، أظهرت أبحاث علم النفس البيئي، والفلسفة الظاهراتية، وحتى علوم الأعصاب، أن علاقتنا بالأماكن ليست مسألة ذوق فردي فحسب، بل ترتبط ببنية أعمق في الإدراك البشري.

فالعمارة لا تشكل الخلفية التي تجري فيها حياتنا فحسب، بل تشارك بصورة فعالة في تشكيل مشاعرنا وإحساسنا بالأمان والانتماء.

العمارة تُعاش قبل أن تُرى

في كتابه الشهير عيون الجلد: العمارة والحواس (The Eyes of the Skin)، يعارض المعماري الفنلندي يوهاني بالاسما النزعة البصرية التي هيمنت على العمارة الحديثة، ويرى أن الإنسان لا يعيش المكان من خلال العين وحدها، وإنما من خلال الجسد بأكمله.

فالملمس، والضوء، والصوت، والروائح، والظل، ودرجة الحرارة، جميعها تشارك في تشكيل التجربة المعمارية.

ولهذا السبب، فإن ما يسميه الناس عادة «أجواء المكان» ليس أمرًا يمكن اختزاله في الصورة أو الشكل، بل هو تجربة حسية كلية يعيشها الإنسان بجسده وذاكرته في آن واحد.

وبحسب بالاسما، فإن التجربة المعمارية الأصيلة لا تنفصل عن الوجود الإنساني نفسه، بل تسهم في ترسيخ إحساس الإنسان بمكانه في العالم.

البحث عن الأمان: إرث تطوري قديم

عام 1975، قدم الجغرافي البريطاني جاي أبلتون في كتابه تجربة المنظر الطبيعي (The Experience of Landscape) ما أصبح يعرف باسم نظرية الرؤية والملاذ  (Prospect-Refuge Theory).

تفترض هذه النظرية أن الإنسان، بوصفه كائنًا تطور عبر مئات آلاف السنين في البيئات الطبيعية، كان بحاجة إلى شرطين متلازمين من أجل البقاء:

  • القدرة على مراقبة المحيط ورؤية الأخطار المحتملة (Prospect).
  • الشعور بالحماية والاحتماء من تلك الأخطار (Refuge).

ومن هنا، يفسر أبلتون ميل البشر إلى تفضيل الأماكن التي تمنحهم إمكانية الرؤية، دون أن تجعلهم مكشوفين تمامًا.

وبعد أربعة عقود تقريبًا، قام الباحثان أناماريا دوسين ومايكل أوستفالد بتحليل نتائج عشرات الدراسات المتعلقة بالتفضيلات البيئية، ونشرا عام 2016 دراسة تحليلية في مجلة City, Territory and Architecture  خلصت إلى وجود أدلة قوية تدعم صحة نظرية أبلتون.

وربما لهذا السبب نميل غريزيًا إلى الجلوس قرب النوافذ في المقاهي، أو اختيار الأماكن التي تسمح لنا برؤية الفراغ من حولنا، مع الاحتفاظ بشعور خفي بالحماية.

لماذا تجعلنا الطبيعة أكثر هدوءًا؟

من أكثر الدراسات تأثيرًا في تاريخ علم النفس البيئي تلك التي نشرها الباحث الأمريكي روجر أولريش عام 1984 في مجلة Science.

فقد درس أولريش سجلات مرضى خضعوا للعمليات الجراحية، ولاحظ أن المرضى الذين كانت غرفهم تطل على الأشجار احتاجوا إلى كميات أقل من المسكنات، وغادروا المستشفى في وقت أقصر، مقارنة بمرضى كانت نوافذهم تواجه جدارًا من الطوب.

كانت هذه الدراسة من أوائل الأدلة التجريبية التي أظهرت أن مجرد رؤية الطبيعة يمكن أن تؤثر في صحة الإنسان الجسدية والنفسية.

لاحقًا، طور ستيفن وكابلان راشيل كابلان هذه الأفكار فيما عرف بـ نظرية استعادة الانتباه (Attention Restoration Theory)، والتي عرضاها بصورة موسعة في كتابهما The Experience of Nature (1989).

وترى النظرية أن البيئات الطبيعية تساعد الدماغ على استعادة قدرته على التركيز، وتخفف من الإرهاق الذهني الناتج عن الحياة اليومية.

ولعل هذا يفسر الحضور المستمر للأفنية الداخلية، والحدائق، والمياه، والأشجار في العمارة التقليدية عبر الثقافات المختلفة.

فالعلاقة بين الإنسان والطبيعة ليست ترفًا جماليًا، وإنما حاجة نفسية عميقة.

البيت كمستودع للذكريات

كتب الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في كتابه جماليات المكان (The Poetics of Space) أن البيت ليس مجرد مأوى مادي، بل هو مستودع للذكريات والأحلام.

فنحن لا نتذكر منازل طفولتنا باعتبارها مخططات أو واجهات، وإنما نتذكر رائحة المطبخ، أو السلم الذي كنا نجلس عليه، أو ضوء العصر المتسلل إلى الغرفة.

ويصف باشلار البيت بأنه «كوننا الأول»، لأنه المكان الذي تتشكل فيه أعمق طبقات الذاكرة الإنسانية.

ومن هنا، فإن ارتباطنا العاطفي بالأماكن لا ينبع دائمًا من خصائصها المادية، بل من الذكريات التي تحتضنها.

الأجواء المعمارية: ما الذي يجعل المكان مؤثرًا؟

في كتابه الأجواء  (Atmospheres)، يرى المعماري السويسري بيتر زومتور أن المهمة الأساسية للعمارة ليست إنتاج الأشكال، بل خلق حالات شعورية.

ويتحدث زومتور عن عناصر مثل:

  • الضوء والظل.
  • المواد وملمسها.
  • الصوت والصمت.
  • درجات الحرارة.
  • نسب الفراغات.

ويرى أن هذه العناصر مجتمعة تشكل ما نسميه أجواء المكان.

ولهذا، فإن تأثير العمارة لا يكمن في شكلها المجرد، بل في التجربة التي تخلقها.

لماذا ما زالت البيوت التقليدية تبدو أكثر إنسانية؟

في كتابه الشهير لغة النمط (A Pattern Language) الصادر عام 1977، يرى كريستوفر ألكسندر وزملاؤه أن البيئات التي يشعر الإنسان فيها بالراحة لا تنشأ من خلال الأشكال العشوائية أو الصيحات المعمارية المؤقتة، بل من خلال أنماط مكانية تكررت عبر قرون طويلة من الخبرة الإنسانية.

ويتحدث ألكسندر عن أهمية:

  • الانتقال التدريجي بين العام والخاص.
  • وجود أماكن شبه مغلقة للجلوس.
  • العلاقة مع الفناء والحديقة.
  • الضوء الطبيعي.
  • المقياس الإنساني.

ويرى أن هذه الأنماط ظهرت بصورة متكررة في الثقافات المختلفة لأنها تعبر عن احتياجات إنسانية مشتركة.

وربما لهذا السبب ما تزال كثير من البيوت التقليدية في بلاد الشام، والبيوت العربية ذات الأفنية الداخلية، تمنح إحساسًا بالدفء والانتماء، رغم بساطة تقنياتها مقارنة بالمباني المعاصرة.

العمارة ليست فن الصورة

في العقود الأخيرة، أصبحت العمارة مرتبطة بصورة متزايدة بالصور الرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي.

لكن بالاسما يحذر من أن اختزال العمارة في بعدها البصري يؤدي إلى إنتاج مبانٍ تُبهر العين، لكنها تفشل في احتضان الإنسان.

فالعمارة، في جوهرها، ليست فن الأشكال، بل فن التجربة.

وربما لهذا السبب تبقى بعض الأماكن محفورة في ذاكرتنا لعقود طويلة، بينما تختفي أماكن أخرى من ذاكرتنا بمجرد مغادرتها.

ليست الأماكن التي نتذكرها هي الأكثر غرابة أو استعراضًا.

بل غالبًا ما تكون تلك التي منحتنا شعورًا نادرًا بالأمان.

شعورًا بأننا مرئيون، ومحميون، ومنتمون.

وبينما يمكن للعمارة أن تدهشنا، فإن أعظم ما يمكن أن تفعله هو أن تجعلنا نشعر بأننا في بيتنا.

 


 

ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

المراجع: 

  • Pallasmaa, Juhani. The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses. Wiley, 1996.
  • Appleton, Jay. The Experience of Landscape. Wiley, 1975.
  • Dosen, Ann S., and Michael J. Ostwald. “Evidence for Prospect-Refuge Theory: A Meta-analysis of the Findings of Environmental Preference Research.” City, Territory and Architecture, 2016.
  • Ulrich, Roger S. “View Through a Window May Influence Recovery from Surgery.” Science, Vol. 224, No. 4647, 1984.
  • Kaplan, Stephen, and Rachel Kaplan. The Experience of Nature: A Psychological Perspective. Cambridge University Press, 1989.
  • Bachelard, Gaston. The Poetics of Space. Beacon Press, 1958.
  • Zumthor, Peter. Atmospheres. Birkhäuser, 2006.
  • Alexander, Christopher, Sara Ishikawa, and Murray Silverstein. A Pattern Language. Oxford University Press, 1977.