هل نعيش موت الإبداع المعماري؟

لم يمتلك المعماريون في أي مرحلة من التاريخ هذا الكم الهائل من الأدوات والمراجع والتقنيات كما يمتلكونه اليوم. فالمعماري الشاب في عمّان أو القاهرة أو الرياض يستطيع الوصول إلى آلاف المشاريع حول العالم خلال ثوانٍ، واستخدام الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence – AI) لتوليد عدد لا نهائي من البدائل التصميمية، ورسم أشكال معقدة لم يكن من الممكن تخيلها قبل عقود قليلة.

ومع ذلك، يطفو سؤال مقلق على السطح باستمرار:

هل نشهد اليوم موت الإبداع المعماري؟

قد يبدو السؤال مبالغاً فيه للوهلة الأولى. فالعمارة لم تتوقف، والمدن لا تزال تنمو، والتقنيات الجديدة تظهر بوتيرة متسارعة. لكن خلف هذه الحيوية الظاهرة يكمن قلق متزايد يشاركه عدد من المعماريين والمنظرين والنقاد: إذا كانت الإمكانات المتاحة اليوم غير مسبوقة، فلماذا تبدو الكثير من المباني حول العالم متشابهة إلى هذا الحد؟

عالم تغمره الصور

لم يسبق للمعماريين أن استهلكوا هذا الكم من الصور.

فمنصات التواصل الاجتماعي، ومواقع نشر المشاريع المعمارية، والصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، تعرض أمام المصمم تدفقاً لا ينتهي من الإلهام البصري. وبينما ساهم هذا الانفتاح في تعميم المعرفة المعمارية، فإنه أوجد أثراً جانبياً غير متوقع؛ إذ أصبح من السهل الخلط بين الإبداع وبين مجرد جمع الصور.

لطالما حذر المعماري والمنظر الفنلندي يوهاني بالاسما (Juhani Pallasmaa) من هيمنة الثقافة البصرية (Visual Culture)  على العمارة. ففي كتابه الشهير عيون الجلد  (The Eyes of the Skin)، يرى أن المجتمع الحديث منح حاسة البصر مكانة مهيمنة على حساب بقية الحواس، فتحولت العمارة تدريجياً إلى شيء يُنظر إليه، بدلاً من أن تكون شيئاً يُعاش ويُختبر.

ففي نظر بالاسما، ليست العمارة الحقيقية مجرد تكوين بصري، بل تجربة إنسانية كاملة تتداخل فيها الذاكرة، والضوء، والصوت، والملمس، والمواد، وحتى الإحساس بالمكان.

وربما تكمن المشكلة اليوم، ليس في نقص المراجع، بل في وفرتها المفرطة.

عندما يتحول السعي إلى الأصالة (Authenticity) إلى تكرار

من المفارقات أن الوصول إلى مصادر إلهام لا محدودة قد يؤدي إلى التشابه بدلاً من التنوع.

فالصناديق الزجاجية تتكرر في مدن تختلف مناخياً وثقافياً. والتصميمات الداخلية السكنية تستنسخ البساطة الإسكندنافية بغض النظر عن السياق المحلي. والمقاهي الحديثة تتشابه في الأقواس، والألوان الترابية، والأسطح الخرسانية الناعمة التي اجتاحت وسائل التواصل الاجتماعي.

يشبه هذا ما يصفه الفيلسوف الكوري الألماني بيونغ تشول هان (Byung-Chul Han) بأنه إرهاق ناتج عن الوفرة المفرطة والتكرار اللامتناهي. ففي عالم أصبح فيه كل شيء متاحاً بضغطة زر، تصبح الندرة والاختلاف الحقيقي أكثر صعوبة.

فتبدأ العمارة بإعادة إنتاج نفسها.

وبدلاً من أن تستجيب للمكان، والثقافة، والذاكرة الجمعية  (Collective Memory)، تصبح استجابتها الأولى للخوارزميات والاتجاهات الرائجة.

عصر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

أعاد الذكاء الاصطناعي إشعال هذا النقاش.

فبرامج التصميم التوليدي (Generative Design) باتت قادرة على إنتاج مئات البدائل الشكلية خلال دقائق، كما أصبحت برامج الإظهار المعماري تنتج صوراً تكاد تطمس الحدود بين العمارة الحقيقية والخيال الرقمي.

بالنسبة للبعض، يمثل الذكاء الاصطناعي عصراً جديداً يوسع حدود المخيلة البشرية.

أما بالنسبة لآخرين، فإنه يثير تساؤلات جوهرية.

إذا أصبحت العملية الإبداعية قائمة على اختيار أحد الاحتمالات التي تقترحها الآلة، فما الذي يبقى من الدور الإنساني؟

كان المؤرخ والمعماري البريطاني كينيث فرامبتون (Kenneth Frampton)، صاحب نظرية الإقليمية النقدية (Critical Regionalism)، يرى أن العمارة ينبغي أن تقاوم التحول إلى سلعة عالمية منفصلة عن الجغرافيا والثقافة. فالمباني يجب أن تنبع من المناخ، والطبوغرافيا (Topography)، والمواد المحلية، والذاكرة الجماعية، لا من الجماليات العالمية الموحدة.

ويبدو أن تحذيراته تكتسب أهمية أكبر في عصر الذكاء الاصطناعي.

الأزمة الاقتصادية للإبداع

ليست التكنولوجيا وحدها ما يهدد الإبداع.

فالواقع المهني المعاصر يفرض ضغوطاً اقتصادية متزايدة. فالجداول الزمنية المضغوطة، وانخفاض الأتعاب، وهيمنة المطورين العقاريين، والاعتماد المتزايد على الصور التسويقية، كلها عوامل تقلص مساحة التجريب والتأمل.

فيتحول المعماري شيئاً فشيئاً من مفكر ثقافي إلى مقدم خدمة.

وهذا القلق ليس جديداً.

فالمعماري الأمريكي لويس كان (Louis I. Kahn) ميز بين مفهوم «الشكل» (Form) ومفهوم «التصميم» (Design). فبينما يمثل الشكل المبادئ الإنسانية الخالدة، يعبر التصميم عن الحلول العملية التي تفرضها الميزانيات والظروف.

ويبدو أن الكثير من المشاريع اليوم أصبحت حبيسة عالم «التصميم»، بينما تراجعت الأسئلة الأعمق:

  • كيف يجب أن يعيش الإنسان داخل هذا المكان؟
  • ما الذكريات التي سيصنعها؟
  • ما المشاعر التي ينبغي أن يثيرها الفضاء؟

ربما لم يكن الإبداع مرتبطاً بالجدة أصلاً

يربط العالم المعاصر الإبداع عادة بإنتاج شيء جديد كلياً.

لكن التاريخ يخبرنا بشيء مختلف.

فأعمال ألفار آلتو (Alvar Aalto)، وحسن فتحي (Hassan Fathy)، وجيفري باوا (Geoffrey Bawa)، ولويس باراغان (Luis Barragán)، لم تكن عظيمة لأنها ابتكرت أشكالاً غير مسبوقة، بل لأنها أعادت تفسير التراث والمناخ والمواد والذاكرة المحلية بطريقة إنسانية عميقة.

لعل الإبداع لا يكمن في مطاردة الاختلاف من أجل الاختلاف.

ولعل جوهره الحقيقي هو القدرة على رؤية الأشياء المألوفة بطريقة مختلفة.

العمارة بوصفها ظاهراتية (Phenomenology) وذاكرة

كتب يوهاني بالاسما ذات مرة:

مقبض الباب هو المصافحة التي يقدمها المبنى لزواره.

تكشف هذه العبارة البسيطة حقيقة عميقة. فالعمارة ليست ترتيباً للأشكال فحسب، بل امتداداً للتجربة الإنسانية. فالناس لا يتذكرون المخططات والأبعاد والواجهات بقدر ما يتذكرون:

رائحة المطر في الفناء.

والضوء المتسلل بين أوراق الأشجار.

وصوت الخطوات على الأرض الحجرية.

وبرودة الجدران السميكة في الصيف.

والنافذة التي كانوا يشاهدون منها الغروب مع عائلاتهم.

وربما يكمن الإبداع الحقيقي، ليس في إنتاج أشكال مدهشة، بل في القدرة على صناعة تجارب لا تُنسى.

الأزمة الحقيقية

ربما لا يموت الإبداع المعماري. وربما ما يتلاشى فعلاً هو شيء آخر: الصبر.

الصبر على الملاحظة.

الصبر على فهم روح المكان.

الصبر على التفكير بعيداً عن الموضات العابرة.

الصبر على إنتاج عمارة تتحدث بهدوء، بدلاً من أن تصرخ بحثاً عن الانتباه.

في عالم تحكمه السرعة وطوفان الصور، قد لا يكون مستقبل الإبداع في مزيد من التعقيد، بل في مزيد من العمق.

ما بعد الخوف

أُعلن عن موت العمارة مرات عديدة عبر التاريخ. قيل إن الثورة الصناعية ستقضي على الحرفة (Craftsmanship). وقيل إن الحداثة (Modernism)  ستدمر التراث. وقيل إن التقنيات الرقمية ستلغي دور المؤلف والمعماري.

لكن العمارة كانت دائماً قادرة على إعادة اكتشاف نفسها.

ولعل التحدي الحقيقي الذي يواجه معماريي اليوم ليس منافسة الآلات، ولا مطاردة الأشكال الغريبة، بل تذكر ما كانت عليه العمارة دائماً:

ليست صناعة صور.

بل صناعة أماكن تمنح الحياة الإنسانية معنى.

وربما يكون هذا النوع من الإبداع، المرتبط بالذاكرة والثقافة والتجربة الإنسانية، أكثر ضرورة اليوم من أي وقت مضى.

 


 

ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

المراجع:

  • Pallasmaa, Juhani. The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses. Wiley, 2012.
  • Pallasmaa, Juhani. The Thinking Hand. Wiley, 2009.
  • Frampton, Kenneth. Towards a Critical Regionalism: Six Points for an Architecture of Resistance. 1983.
  • Frampton, Kenneth. Modern Architecture: A Critical History. Thames & Hudson, 2020.
  • Kahn, Louis I. Between Silence and Light. Shambhala Publications, 1979.
  • Han, Byung-Chul. The Burnout Society. Stanford University Press, 2015.
  • Bawa, Geoffrey. Complete Works. Thames & Hudson, 2002.
  • Fathy, Hassan. Architecture for the Poor. University of Chicago Press, 1973.