رائحة المنزل: الحاسة المنسية في العمارة

عادةً ما نتذكر العمارة من خلال ما نراه.

نتذكر جدران بيت الطفولة البيضاء، وهندسة الفناء، ولون الباب، والظل الذي كانت شجرة تلقيه على الشرفة. وتعزز الصور المعمارية هذا الميل؛ فالمباني تُؤطَّر وتُصاغ وتُستهلك في الغالب من خلال العين.

لكن هناك أماكن لم نعد قادرين على استحضار صورتها بوضوح، ومع ذلك ما زلنا نتذكرها بدقة مذهلة.

نتذكرها من خلال رائحتها.

رائحة الخشب القديم. الغبار الذي سخنته شمس الظهيرة. الحجر المبلل بعد المطر. القهوة المتسللة من المطبخ. الياسمين المزروع بجانب الفناء. الرائحة المعدنية لقبو قديم. ذلك المزيج الخاص من الصابون والتوابل والخشب والأقمشة الذي كان يميز بيت الجدة.

نادراً ما تظهر هذه الروائح في الرسومات المعمارية أو الصور أو ملفات المشاريع. ومع ذلك، قد تكون من أقوى العناصر التي تجعل المبنى يتحول إلى مكان.

ربما تكون العمارة قد نسيت إحدى أكثر موادها حميمية.

ما وراء عمارة العين

العمارة الحديثة منحازة بصورة كبيرة إلى البصر.

المخططات تُرسم لكي تُرى. والمناظير المعمارية تُنتج للإقناع من خلال الصورة. والمباني تُصوَّر في لحظات منتقاة بعناية، غالباً بعد إفراغها من الأنشطة اليومية التي تمنحها الحياة. وحتى النقد المعماري يميل إلى الحديث عن النسب، والتكوين، واللون، والشكل، والمواد، أكثر بكثير مما يتحدث عن الحرارة، والصوت، والملمس، أو الرائحة.

لكننا لا نختبر العمارة بالعين وحدها.

في كتابه الشهير The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses، تحدى المعماري الفنلندي يوهاني بالاسما هيمنة البصر على التجربة المعمارية، داعياً إلى فهم العمارة باعتبارها تجربة جسدية متعددة الحواس (Multisensory Architecture). فالباب ليس شيئاً نراه فقط؛ له وزن. والجدار ليس سطحاً نراه فحسب؛ له ملمس ودرجة حرارة. والدرج ليس مجرد تكوين هندسي؛ إنه شيء يصعده الجسد.

والرائحة تنتمي إلى هذه العمارة الجسدية نفسها، لكنها أكثر مراوغة.

لا يمكن تصويرها.

ولا يمكن رسمها بسهولة.

ولا يمكن الاحتفاظ بها في صندوق عينات للمواد.

وعلى خلاف الجدار أو النافذة، تتغير الرائحة باستمرار مع الطقس، والاستخدام، والطهي، والنباتات، والرطوبة، والعمر.

وربما لهذا السبب تحديداً هي مهمة.

فالعمارة ليست فقط ما يُصمَّم عمداً، بل أيضاً ما يتراكم مع الزمن.

المادة غير المرئية للمكان

كل مبنى يطوّر شخصيته العطرية الخاصة.

للمنزل رائحة الخشب والطعام والأقمشة. وللمسجد أثر البخور والحجر والسجاد وحضور الناس. ويعلن المخبز عن نفسه قبل أن نراه. وتحمل الورشة رائحة الزيت أو المعدن أو الخشب. أما الحديقة، فتحمل رائحة التراب والأوراق والزهور والرطوبة.

هذه الروائح تشكل ما أصبح الباحثون يصفونه بمفهوم المشهد الشمي (Smellscape)؛ أي النظير الشمي للمشهد البصري.

وقد شهد مفهوم الـ Smellscape اهتماماً متزايداً في الدراسات المتعلقة بالبيئة المبنية، مع أبحاث تبحث في العلاقة بين الإنسان والروائح والمكان، وكيف يمكن للرائحة أن تؤثر في إدراك الشوارع والمباني والمتاحف والبيئات الحضرية.

لكن، بخلاف المشهد البصري، فإن المشهد الشمي ليس ثابتاً.

إنه يتحرك.

يتسلل عبر الفتحات والممرات. يصعد من المطابخ. يدخل عبر النوافذ. يعلق بالأقمشة. ويتغير مع الرياح ودرجة الحرارة.

وهو في الوقت ذاته جزء من العمارة وجزء من الأنشطة التي تحدث داخلها.

لذلك، لا يمتلك الفناء شخصية بصرية فقط.

قد يحمل رائحة التراب المبلل بعد الري، وأشجار الحمضيات، والياسمين، والطعام المتصاعد من البيوت المجاورة.

ولا يتكون السوق التقليدي من الأقواس والألوان والمواد وحدها. فهويته تتشكل أيضاً من القهوة والتوابل والجلود والبخور والخبز والغبار، ومن آلاف الروائح التي تنتجها الحياة اليومية.

الرائحة جزء من عمارة المكان، حتى عندما لا يكون المعماري قد صممها.

لماذا تتذكر الرائحة؟

هناك سبب يجعل رائحة معينة قادرة على إعادتنا فجأة إلى مكان يعود إلى عقود مضت.

أظهرت دراسات الذاكرة الذاتية (Autobiographical Memory) مراراً وجود علاقة مميزة بين الشم واستحضار الذكريات. ويمكن للذكريات التي تستدعيها الروائح أن تكون شديدة الحيوية والتفصيل والانفعال، في ظاهرة تُعرف باسم تأثير بروست (Proust Effect).

في إحدى الدراسات، وجد الباحثون أن الذكريات التي استُحضرت من خلال الروائح كانت أكثر عاطفية، وأكثر قدرة على منح الأشخاص شعوراً بأنهم عادوا فعلياً إلى الحدث الأصلي، مقارنةً بالذكريات التي استُحضرت من خلال محفزات بصرية.

وفي دراسة أخرى، وُجد أن الروائح قادرة على استحضار ذكريات غنية بشكل خاص عندما ارتبطت بمرحلة الطفولة.

وهذا يفسر تجربة يعرفها معظمنا:

تدخل غرفة.

تشتم رائحة معينة.

وفجأة، تجد نفسك في مكان آخر.

ليس مجازياً.

للحظة قصيرة، يبدو أن الحاضر ينهار داخل الماضي.

يمكن لرائحة مسحوق غسيل معين أن تعيدك إلى غرفة طفولتك. ويمكن لرائحة التراب المبلل أن تستحضر حديقة العائلة. ويمكن لرائحة الهيل والقهوة أن تعيد بيتاً لم يعد موجوداً.

الرائحة لم تذكرك بالمكان فحسب.

لقد كانت جزءاً من المكان.

رائحة المنزل

ربما لا يظهر هذا الأمر في أي مكان بقوة أكبر من الداخل المنزلي.

نعتاد على رائحة بيوتنا إلى درجة أننا نتوقف عن ملاحظتها. وتشير الدراسات المتعلقة بروائح المباني إلى أن السكان يعتادون غالباً على الروائح الموجودة في بيئاتهم اليومية، ولا ينتبهون إليها إلا عند العودة بعد غياب.

وهنا تظهر مفارقة مثيرة.

الرائحة التي تحدد المنزل بأكبر قدر من القوة قد تكون الرائحة التي لم يعد سكانه يشعرون بها بوعي.

الزائر يلاحظها.

أما الساكن فلا.

ثم، بعد غياب طويل، تصبح هوية البيت غير المرئية محسوسة من جديد.

يبدو وكأن البيت كان ينتظر في الهواء.

ولهذا لا يمكن اختزال «المنزل» في الجدران والأثاث والملكية. إنه يتشكل من خلال التكرار: الضوء نفسه الذي يدخل من النافذة نفسها، والصوت نفسه لباب يُغلق، والملمس نفسه تحت اليد، والمزيج نفسه من الروائح التي نواجهها كل يوم.

المنزل، في جانب منه، ذاكرة شمية.

للمواد رائحة

لطالما امتلكت العمارة مواد قادرة على إنتاج تجارب شمية مميزة.

للخشب رائحة مختلفة عن الحجر.

وللجص الجديد رائحة مختلفة عن الجص العتيق.

والجلد والصوف والطين والجير والورق والخشب غير المعالج، لكل منها هويته الشمية الخاصة.

حتى الخرسانة، التي غالباً ما نتخيلها مادة بصرية أو لمسية في المقام الأول، تتغير تجربتها الإدراكية مع الرطوبة والحرارة والعمر والنباتات المحيطة.

كانت العمارة التقليدية تسمح لهذه الهويات المادية بأن تبقى محسوسة.

أما البناء المعاصر، فكثيراً ما يعزل الإنسان عن شخصية المادة من خلال طبقات التشطيب، ومواد العزل، والمواد الاصطناعية، وأنظمة التهوية الميكانيكية، والبيئات الداخلية شديدة التحكم.

والنتيجة في كثير من الأحيان هي عمارة تبدو مختلفة، لكنها تشم بالطريقة نفسها تقريباً.

الفندق.

المكتب.

المتجر.

الشقة الجديدة.

كلها يمكن أن تصبح نسخاً مختلفة من الداخل المعقم نفسه.

لقد جلبت الرغبة في التحكم بالبيئة الداخلية فوائد هائلة من حيث الراحة والصحة. لكن السعي إلى الحياد الشمي الكامل يحمل نتيجة أخرى: محو الشخصية الحسية للمكان.

فهل يمكن لمبنى بلا رائحة أن يكون نظيفاً،

لكن هل يمكن أن يكون عالقاً في الذاكرة؟

من التحكم بالرائحة إلى تصميم التجربة الشمية

هذا لا يعني أن على المعماريين ببساطة أن يضيفوا العطور إلى المباني.

فالرائحة الاصطناعية قد تتحول بسهولة إلى إضافة سطحية؛ نوع من الهوية العطرية التي تختزل العمارة إلى عطر مصمم بعناية.

السؤال الأكثر إثارة مختلف:

ما الروائح التي تنتمي بشكل طبيعي إلى هذا المكان؟

كيف تفوح رائحة التراب بعد المطر؟

ما النباتات التي تنمو هنا؟

كيف ستتغير المواد مع الزمن؟

من أين يدخل الطعام إلى التجربة المكانية؟

كيف تنتقل الروائح من غرفة إلى أخرى؟

ماذا يحدث عندما تُفتح النوافذ؟

كيف ستكون رائحة المبنى عند الفجر، وفي الصيف، وبعد المطر، وبعد سنوات من الاستخدام؟

تنقل هذه الأسئلة تصميم الرائحة من مجرد إضافة عطر إلى فهم المنظومة الحسية للمكان.

قد تبدأ العمارة ببساطة من خلال الإصغاء إلى الروائح الموجودة أصلاً.

الحاسة المنسية في المدينة العربية

يصبح هذا الموضوع أكثر أهمية في العالم العربي، حيث ارتبطت العمارة تاريخياً بشكل وثيق بالظروف المناخية والتجارب الحسية.

لم تكن البيوت التقليدية أجساماً مغلقة.

كانت الأفنية، والممرات المظللة، والحدائق، والنوافير، والمشربيات، وحركة الهواء والتهوية الطبيعية، تخلق علاقات متغيرة باستمرار بين الداخل والخارج.

لذلك كانت تجربة البيت مرتبطة بالمناخ والنبات والحياة اليومية.

رائحة التراب المبلل في الفناء بعد الري.

رائحة الحمضيات أو الياسمين.

القهوة والخبز المتحركان بين الغرف.

البخور المتسلل من مكان إلى آخر.

رائحة الحجر الذي سخن خلال النهار ثم برد ليلاً.

رائحة السوق المليء بالتوابل والجلود والطعام والخشب.

هذه ليست مجرد تفاصيل نوستالجية.

إنها شواهد على عمارة كانت تُختبر من خلال الجسد بأكمله.

والكثير من هذه العلاقات الحسية يختفي اليوم مع تحول المباني إلى بيئات مغلقة ومكيفة ميكانيكياً، ومع تشابه المساحات الداخلية الحديثة وتزايد عزلها عن المناخ والنبات والحياة اليومية.

وبالتالي، فإن الخسارة ليست معمارية فقط.

إنها ثقافية أيضاً.

فعندما تختفي مادة، قد تختفي معها رائحة.

وعندما يحل الداخل المكيف محل الفناء، قد تختفي علاقة حسية كاملة مع المناخ.

وعندما تختفي المطابخ التقليدية والحدائق والورش من الأحياء، تختفي معها روائح كانت جزءاً من الذاكرة الجماعية للمدينة.

 العمارة التي تصمم للذاكرة

لا يستطيع المعماري التحكم بالرائحة بشكل كامل.

وربما لا ينبغي له ذلك.

فبعض أكثر التجارب الشمية قوة تأتي بالصدفة.

جار يطبخ.

مطر يدخل من نافذة مفتوحة.

رائحة أوراق الأشجار بعد الري.

باب خشبي امتص عقوداً من اللمس البشري.

خبز يخبز في مكان قريب.

هذه التجارب تنتمي إلى الحياة أكثر مما تنتمي إلى التصميم.

لذلك قد يكون دور العمارة أقل ارتباطاً بفرض رائحة معينة، وأكثر ارتباطاً بخلق الظروف التي تسمح للذاكرة الحسية بالظهور.

فتحات تسمح للهواء بالحركة.

أفنية تحتضن النباتات.

مواد يُسمح لها بأن تتقدم في العمر.

حدائق تتغير مع الفصول.

مطابخ مرتبطة بمساحات المعيشة.

تهوية طبيعية.

حدود أكثر نفاذية بين الداخل والخارج.

وأماكن يُسمح فيها للحياة اليومية بأن تترك آثارها.

عندها لا تصبح العمارة مميزة لأنها تتحكم في كل تجربة، بل لأنها قادرة على تجميع التجارب مع الزمن.

عمارة يمكن تذكرها دون أن نراها

ربما لا يكمن الاختبار الحقيقي للمبنى في قدرتنا على تذكر صورته.

بل في قدرتنا على تذكر كيف كان وجودنا فيه.

هل نتذكر ملمس الحجر تحت اليد؟

صوت الخطوات؟

درجة حرارة الهواء؟

رائحة المطر وهو يدخل من الفناء؟

رائحة الخشب عندما فُتح الباب؟

القهوة التي كانت تُعد في مكان ما خلف الغرفة؟

هذه التجارب تصنع شكلاً أعمق من الذاكرة المعمارية؛ ذاكرة تتجاوز التمثيل البصري.

الصورة تخبرنا كيف كان المبنى يبدو في لحظة معينة.

أما الرائحة، فقد تخبرنا كيف كان العيش فيه.

وربما لهذا السبب تحديداً تكون رائحة المنزل قوية إلى هذا الحد.

فالمنزل ليس مجرد صورة محفوظة في الذاكرة.

إنه جوّ.

وأحياناً، بعد عقود من اختفاء الجدران، لا يبقى منه سوى أثر غير مرئي في الهواء.

لقد أمضت العمارة قروناً في تعلم كيفية صياغة ما نراه.

وربما حان الوقت لأن نولي اهتماماً أكبر لما نتنفسه.

 


 

ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

المراجع: 

  • Pallasmaa, Juhani. The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses. Wiley.
    Pallasmaa’s work is foundational to understanding architecture as a multisensory experience, particularly his discussion of smell, memory, touch and bodily perception.
  • Xiao, J., Aletta, F., Radicchi, A., McLean, K., Shiner, L. E., & Verbeek, C. (2021). “Recent Advances in Smellscape Research for the Built Environment.” Frontiers in Psychology, 12, 700514.
  • Green, J. D., Reid, C. A., Kneuer, M., & Hedgebeth, M. (2023). “The Proust Effect: Scents, Food, and Nostalgia.” Current Opinion in Psychology, 50, 101562.
  • Chu, S., & Downes, J. J. (2002). “Proust Nose Best: Odors Are Better Cues of Autobiographical Memory.” Memory & Cognition, 30(4), 511–518.
  • Hackländer, R. P. M., Janssen, S. M. J., & Bermeitinger, C. (2019). “An In-depth Review of the Methods, Findings, and Theories Associated with Odor-evoked Autobiographical Memory.” Psychonomic Bulletin & Review, 26, 401–429.
  • Herz, R. S. et al. Research on odor-evoked autobiographical memory and the emotional potency of olfactory cues. Neuroimaging studies have demonstrated the involvement of brain regions associated with emotional processing during odor-evoked recollection.
  • Senses of Place: Architectural Design for the Multisensory Mind. Cognitive Research: Principles and Implications. The paper examines multisensory perception of place and specifically discusses the role of smell, building odour and Pallasmaa’s observations on the smell of home.