هل يمكن للعمارة أن تصنع الجريمة؟

يكشف صعود مجمّع سكني في مدينة سانت لويس الأمريكية وسقوطه عن العلاقة المعقدة بين التصميم المعماري والفقر الحضري والجريمة، ويطرح تساؤلات حول الفكرة القائلة إن العمارة وحدها قادرة على تحديد مصير المجتمعات.

في تاريخ العمارة الحديثة، قلّما حظي مشروع سكني بالجدل الذي أثاره مجمّع برويت–آيغو (Pruitt–Igoe) في مدينة سانت لويس (St. Louis)، بولاية ميزوري الأمريكية. فقد جاء المشروع استجابةً لأزمة الإسكان التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، واعتُبر في بداياته تطبيقًا واعدًا لمبادئ التخطيط الحداثي (Modernist Planning). لكن خلال أقل من عقدين، أصبح المجمّع مرتبطًا بتدهور المباني والتخريب والجريمة وفشل سياسات الإسكان العام.

صمّم المشروع المعماري مينورو ياماساكي (Minoru Yamasaki)، وتكوّن من 33 مبنى سكنيًا، يتألف كل منها من 11 طابقًا، على مساحة تقارب 57 فدانًا. اكتمل المشروع خلال خمسينيات القرن العشرين، وضمّ نحو 3,000 شقة سكنية استوعبت آلاف السكان. أما هدمه، الذي بدأ عام 1972، فقد حوّله إلى أحد أبرز الرموز المرتبطة بإخفاقات التخطيط الحضري في القرن العشرين.

لكن ما الذي حدث بالفعل؟ هل أسهم التصميم المعماري في ارتفاع معدلات الجريمة، أم أن المشروع وقع ضحية ظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية أوسع؟ يتطلب فهم تجربة برويت–آيغو تجاوز النظر إلى مبانيه وحدها، والتعمق في العلاقة بين البيئة المبنية والمجتمع الذي صُمّم المشروع لخدمته.

Image Source: Saint Louis University Digital Collections, Public Housing — Saint Louis, Missouri

رؤية حداثية للإسكان العام

ظهر مشروع برويت–آيغو خلال فترة شهدت فيها المدن الأمريكية برامج واسعة للتجديد الحضري (Urban Renewal). وسعت الحكومات إلى استبدال المساكن المتدهورة داخل المدن بمجمعات سكنية حديثة توفر ظروفًا معيشية أفضل وإمكانية الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتأثر المشروع بمبادئ التخطيط الحداثي (Modernist Planning)، إذ اعتمد على توزيع المباني السكنية المرتفعة ضمن مساحات مفتوحة. وعكس تصميمه الاعتقاد بأن البناء الرأسي قادر على استيعاب أعداد كبيرة من السكان، مع إتاحة مساحات أرضية للأنشطة الترفيهية والمساحات الخضراء والاستخدامات المشتركة.

بالنسبة إلى كثير من السكان، مثّل الانتقال إلى برويت–آيغو في البداية تحسنًا ملحوظًا مقارنة بظروف سكنهم السابقة. كما عملت العائلات على إنشاء مرافق وأنشطة مجتمعية، شملت ملاعب الأطفال ومركزًا ترفيهيًا ومكتبة وخدمات لرعاية الأطفال.

لكن الرؤية الأصلية للمشروع تأثرت بالقيود المالية. فقد جرى تقليص بعض عناصر تنسيق الموقع (Landscape Design)، كما أثّرت تخفيضات الميزانية في أعمال البناء والمرافق. وأثارت العلاقة بين المباني والنسيج الحضري المحيط بها تحديات إضافية.

ومع تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية في مدينة سانت لويس، ازدادت أهمية هذه المشكلات.

Image Source: Saint Louis University Digital Collections, Public Housing — Saint Louis, Missouri

عندما أصبح المشروع السكني رمزًا للتدهور الحضري

لا يمكن فصل تدهور برويت–آيغو عن الظروف التاريخية التي أحاطت بإنشائه.

قُسّم المشروع في البداية إلى قسمين: مساكن برويت (Pruitt Homes)، المخصصة للسكان الأمريكيين من أصول أفريقية، وشقق آيغو (Igoe Apartments)، المخصصة للسكان البيض. وبعد إلغاء الفصل العنصري في الإسكان العام، غادر كثير من السكان البيض المشروع، وانخفضت نسب الإشغال بصورة ملحوظة.

وفي الوقت نفسه، كانت سانت لويس تشهد تراجعًا في عدد السكان، وانتقالًا للسكان إلى الضواحي، وتحولات اقتصادية واسعة. وتراجعت فرص العمل، وازداد تركز الفقر، كما تعرضت الموارد المخصصة لصيانة الإسكان العام لضغوط متزايدة.

ومع تراجع الصيانة، واجه السكان مشكلات متفاقمة في المساحات المشتركة، بما فيها الممرات والمصاعد والمداخل والمساحات الخارجية. وأصبح التخريب والجريمة جزءًا من التاريخ المضطرب للمجمّع، فيما أسهمت الشقق الشاغرة والمرافق المهملة في تدهور الظروف المعيشية.

وبدأت عملية هدم المجمّع عام 1972.

ونتيجة لذلك، أصبح برويت–آيغو مثالًا بارزًا في النقاشات المعمارية حول إخفاقات الإسكان العام المرتفع. لكن تسلسل الأحداث لا يثبت أن التصميم المعماري وحده تسبب في الجريمة أو أدى إلى انهيار المشروع.

بل يطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: كيف تفاعل تصميم المجمّع مع الضغوط الاقتصادية والقرارات المؤسسية والظروف الاجتماعية التي شكّلت حياة سكانه؟

Image Source: Saint Louis University Digital Collections, Public Housing — Saint Louis, Missouri

أوسكار نيومان ونظرية المساحة القابلة للدفاع عنها

أدى برويت–آيغو دورًا مهمًا في تطور نظرية المساحة القابلة للدفاع عنها (Defensible Space Theory)، المرتبطة بالمعماري والمخطط الحضري أوسكار نيومان (Oscar Newman).

خلال ستينيات القرن العشرين، بدأ الباحثون الذين درسوا المجمّع بالبحث في ما إذا كانت الاختلافات في تنظيم المساحات السكنية يمكن أن تساعد على تفسير أسباب تمتع بعض المناطق بصيانة أفضل ومستويات أعلى من الأمان مقارنة بغيرها.

جادل نيومان بأن التنظيم المادي للبيئات السكنية قد يؤثر في قدرة السكان على مراقبة محيطهم، والشعور بالانتماء إلى المساحات المشتركة، وممارسة الرقابة غير الرسمية عليها. وطوّر هذه الأفكار في كتابه المساحة القابلة للدفاع عنها: الوقاية من الجريمة عبر التصميم الحضري (Defensible Space: Crime Prevention Through Urban Design)، الصادر عام 1972.

وسلطت النظرية الضوء على مجموعة من الاعتبارات المعمارية:

المراقبة الطبيعية (Natural Surveillance): يمكن لتوزيع النوافذ والمداخل ومسارات الحركة أن يؤثر في سهولة مراقبة السكان للمساحات المشتركة.

تحديد المجالات (Territorial Definition): قد يشجع التمييز الواضح بين المساكن الخاصة والمساحات السكنية المشتركة والمجالات العامة السكان على الشعور بمسؤولية أكبر تجاه محيطهم المباشر.

حجم المساحات المشتركة وطبيعتها (Scale and Shared Spaces): قد يكون من الصعب على السكان الشعور بالانتماء إلى المساحات الجماعية الكبيرة والمجهولة، أو المشاركة في صيانتها، مقارنة بالمساحات الأصغر التي تتسم باستخدامات واضحة وأنماط محددة من المسؤولية.

الوصول والحركة (Access and Circulation): يمكن لتنظيم المداخل ومسارات الحركة داخل المباني السكنية أن يؤثر في فرص المراقبة وإمكانية الدخول غير المصرّح به.

أسهمت هذه المبادئ في ترسيخ الوقاية من الجريمة عبر التصميم البيئي (Crime Prevention Through Environmental Design – CPTED) بوصفها مقاربة مؤثرة في تصميم البيئات الحضرية الأكثر أمانًا.

ومع ذلك، ينبغي فهم المساحة القابلة للدفاع عنها باعتبارها إطارًا لدراسة كيفية تأثير التصميم في السلوك، لا دليلًا على أن نمطًا معماريًا معينًا يؤدي حتمًا إلى الجريمة. وقد كشفت الأبحاث المتعلقة بهذه النظرية عن إسهاماتها وحدودها على حد سواء.

Image Source: Saint Louis University Digital Collections, Public Housing — Saint Louis, Missouri

هل تسببت العمارة في الجريمة؟

أصبحت العلاقة بين برويت–آيغو والفشل المعماري أكثر رسوخًا في النقاشات بعد هدم المجمّع. واستخدم الناقد المعماري تشارلز جينكس (Charles Jencks) هدمه، في طرح شهير، رمزًا لنهاية العمارة الحديثة.

لكن المؤرخة المعمارية كاثرين ج. بريستول (Katharine G. Bristol) تحدّت هذا التفسير في مقالتها «أسطورة برويت–آيغو» (The Pruitt-Igoe Myth)، المنشورة عام 1991. ورأت أن الرواية الشائعة حمّلت التصميم المعماري مسؤولية أكبر مما يستحق، وأغفلت الظروف الاقتصادية والسياسية التي أسهمت في تدهور المشروع.

وهنا تبرز نقطة جوهرية.

قد يؤثر التنظيم المادي للمبنى في وضوح الرؤية وإمكانية الوصول والتفاعل الاجتماعي وإدارة المساحات المشتركة. لكن الجريمة تتأثر أيضًا بعوامل تتجاوز سيطرة المعماري، بما فيها الفقر والبطالة والفصل العنصري والسياسات العامة ومدى توافر الدعم المؤسسي.

وتوضح تجربة برويت–آيغو صعوبة الفصل بين هذه العوامل. فقد واجه المشروع مشكلات في التصميم والصيانة، لكن تدهوره حدث أيضًا ضمن مدينة كانت تمر بتحولات ديموغرافية واقتصادية عميقة.

لذلك، فإن إرجاع النتيجة بالكامل إلى العمارة الحداثية يُبسّط عملية تاريخية أوسع بكثير.

وفي المقابل، فإن الاستنتاج بأن التصميم لم يكن له أي تأثير سيكون متسرعًا بالقدر نفسه. فالمهمة الأجدى هي فهم كيفية تفاعل البيئة المادية مع الظروف الاجتماعية والمؤسسية المحيطة بها.

دروس للعمارة المعاصرة

لا تزال تجربة برويت–آيغو ذات صلة بالعمارة والإسكان المعاصرين، خصوصًا مع استمرار المدن في إنشاء مشروعات سكنية عالية الكثافة.

يتعلق الدرس الأول بالعلاقة بين المباني ومحيطها. فلا يمكن فهم المجمعات السكنية الكبيرة بوصفها عناصر معزولة؛ إذ يعتمد نجاحها جزئيًا على مدى اتصالها بالشوارع والخدمات والمساحات العامة والحي المحيط.

ويتعلق الدرس الثاني بتصميم المساحات المشتركة وإدارتها. فالممرات والمداخل والأفنية ومناطق الترفيه ليست عناصر ثانوية في المشروع السكني، بل تشكّل جزءًا أساسيًا من التجربة اليومية للسكان، وتتطلب تصميمًا مدروسًا وصيانة كافية وتنظيمًا واضحًا لاستخدامها.

كما تسلط التجربة الضوء على أهمية الإدارة طويلة الأمد. فلا تستطيع الجودة المعمارية أن تعوّض إلى ما لا نهاية نقص الصيانة أو عدم كفاية الخدمات أو الإهمال المؤسسي. فنجاح المشروع السكني يتطلب استثمارًا مستمرًا واهتمامًا باحتياجات السكان بعد اكتمال البناء.

وأخيرًا، تذكّرنا برويت–آيغو بضرورة مراجعة الافتراضات المتعلقة بالعلاقة بين الشكل المعماري والنتائج الاجتماعية. فالمباني المرتفعة لا تؤدي تلقائيًا إلى الجريمة، مثلما لا يضمن الإسكان منخفض الارتفاع إنشاء مجتمعات آمنة. وتعتمد نتائج التصميم على تفاعل الشكل المادي مع الظروف التي يعيش فيها الناس.


Image Source: Saint Louis University Digital Collections, Public Housing — Saint Louis, Missouri

ما وراء عمارة الخوف

غالبًا ما يُستحضر برويت–آيغو من خلال صور الممرات المهجورة والفراغات الداخلية المتضررة والمباني التي يجري هدمها. لكن تاريخه يكشف أيضًا عن حدود التعامل مع العمارة باعتبارها حلًا مستقلًا للمشكلات الاجتماعية المعقدة.

يمكن للتصميم أن يؤثر في كيفية استخدام الناس للمساحات، وسهولة مراقبتهم لمحيطهم، وآليات إدارة البيئات المشتركة. كما يمكنه الحد من بعض فرص ارتكاب الجرائم والإسهام في إنشاء بيئات سكنية أكثر دعمًا للسكان.

لكنه لا يستطيع بمفرده معالجة الفقر أو الفصل العنصري أو البطالة أو الإخفاق المؤسسي.

لذلك، لا يتمثل التحدي أمام المعماريين في تصميم مبانٍ تقاوم الجريمة فحسب، بل في إنشاء بيئات سكنية تدعم الكرامة الإنسانية والتفاعل الاجتماعي والمسؤولية الجماعية والاندماج في المدينة.

لا تثبت تجربة برويت–آيغو أن العمارة تصنع الجريمة، بل تكشف عن مخاطر تصميم المساكن دون مراعاة كافية للأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية التي يعتمد عليها نجاحها.

لعل الدرس الأهم هو أنه لا يمكن فصل المبنى عن المجتمع المحيط به. تستطيع العمارة تشكيل ظروف الحياة اليومية، لكن إنشاء مجتمعات أكثر أمانًا يتطلب ما هو أبعد من التصميم وحده.

 


 

المراجع: 

  • Bristol, Katharine G. “The Pruitt-Igoe Myth.” Journal of Architectural Education, vol. 44, no. 3, 1991, pp. 163–171. A critical examination of the political and economic circumstances behind the development’s decline. Read the academic article
  • Heathcott, Joseph / MIT News. “Exhibit Examines Origins of Infamous Housing Project.” Massachusetts Institute of Technology, 2004. Historical background on the development, its architecture, and its eventual demolition. Read the historical overview
  • Newman, Oscar. Defensible Space: Crime Prevention Through Urban Design. Macmillan, 1972. A foundational work examining the relationship between residential design, territoriality, surveillance, and crime. Read the bibliographic record
  • The Cultural Landscape Foundation. “Wendell O. Pruitt Homes and William Igoe Apartments (Pruitt-Igoe).” Historical information about the complex’s design, landscape, segregation, and demolition. Read the project history
  • Major, Mark David. “‘Excavating’ Pruitt-Igoe Using Space Syntax.” arq: Architectural Research Quarterly, vol. 25, no. 1, 2021, pp. 55–68. A spatial analysis revisiting the project’s design and its place in architectural history. Read the research paper