هل يصمم المعماريون للناس … أم للجوائز؟

حين يزور معظم الناس مبنىً جديداً، فإنهم لا يسألون من صممه، ولا إن كان قد فاز بجائزة عالمية، ولا إن كانت صوره قد نُشرت في أشهر المجلات المعمارية.

ما يهمهم هو سؤال أبسط بكثير:

هل أشعر بالراحة هنا؟

هل المكان مريح؟ هل الضوء مناسب؟ هل يسهل التنقل فيه؟ هل يجعلني أرغب في البقاء؟

لكن في المقابل، يعيش كثير من المعماريين اليوم في عالم مختلف؛ عالمٍ أصبحت فيه الصور تنتشر خلال ثوانٍ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت الجوائز المعمارية والمنصات العالمية قادرة على تحويل مشروع واحد إلى نقطة انطلاق لمسيرة مهنية كاملة.

وقد أدى هذا التحول إلى صعود ما يُعرف بـ عمارة النجوم  (Starchitecture)، حيث أصبح اسم المعماري في بعض الأحيان علامةً تجارية لا تقل شهرة عن المشروع نفسه، وأصبح المبنى يُقيَّم أحياناً من خلال صوره وانتشاره الإعلامي قبل أن يُقيَّم من خلال تجربة مستخدميه.

وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل:

هل ما زال المعماري يصمم من أجل الإنسان، أم أصبح يصمم من أجل عدسة الكاميرا ولجنة التحكيم؟

عندما أصبحت العمارة منتجاً إعلامياً:

لم تكن العمارة في الماضي تنتشر بالسرعة التي نعرفها اليوم. فكان تقييم المبنى يعتمد في المقام الأول على تجربة مستخدميه، وعلى قدرته على خدمة المجتمع الذي ينتمي إليه.

أما اليوم، فإن كثيراً من المشاريع تُعرف للعالم قبل أن يكتمل استخدامها، من خلال التصوير المعماري (Architectural Photography)  الاحترافي، وصور تُلتقط عند لحظة مثالية من اليوم، وتُنشر في المجلات والمنصات الرقمية، فتُشكّل الانطباع الأول عن المشروع.

ولا شك أن التصوير المعماري فن مهم، لكنه أحياناً يختزل العمارة في مشهد بصري واحد، بينما العمارة في حقيقتها تجربة تُعاش بالحركة والزمن والضوء والصوت والمواد، وليس بالصورة وحدها.

ولهذا كتب المعماري الفنلندي يوهاني بالاسما (Juhani Pallasmaa) أن هيمنة البصر في الثقافة المعاصرة جعلتنا ننسى أن العمارة تُدرك بجميع الحواس، وأن المبنى الناجح لا يُقاس فقط بما يبدو عليه، بل بما يجعلنا نشعر به. فالعمارة في جوهرها ليست صورة، بل تجربة معيشة (Lived Experience)  يعيشها الإنسان يومياً.  (Pallasmaa, 2012)

 

هل الجوائز تغيّر طريقة التصميم؟

لا يمكن إنكار الدور الإيجابي للجوائز المعمارية.

فجوائز مثل جائزة بريتزكر  (Pritzker Architecture Prize)، وجائزة ستيرلينغ التابعة للمعهد الملكي البريطاني للمعماريين (RIBA Stirling Prize)، وجائزة الآغا خان للعمارة  (Aga Khan Award for Architecture)، ساهمت في إبراز مشاريع استثنائية رفعت من مستوى المهنة، وشجعت الابتكار، وقدمت حلولاً معمارية وإنسانية ملهمة.

لكن في المقابل، يرى بعض النقاد أن السعي وراء التميز الشكلي قد يدفع بعض المصممين – ولو دون قصد – إلى إعطاء الأولوية لما يلفت انتباه لجان التحكيم والصحافة، بدلاً من إعطاء الأولوية لما يحتاجه المستخدم الحقيقي.

يشير الناقد والمؤرخ المعماري كينيث فرامبتون (Kenneth Frampton) إلى أن العمارة يجب ألا تتحول إلى استعراض بصري منفصل عن المكان والثقافة والإنسان، بل ينبغي أن تبقى مرتبطة بتجربة العيش اليومية وبخصوصية السياق المحلي. وقد طرح مفهوم الإقليمية النقدية (Critical Regionalism) بوصفه دعوةً لمقاومة العمارة العالمية المتشابهة، والعودة إلى تصميم يستجيب للمناخ والمواد والثقافة المحلية.

فالعمارة التي تُبهر العالم قد لا تكون دائماً العمارة التي تُسعد مستخدميها.

المبنى الجميل… هل هو بالضرورة مبنى ناجح؟

لسنوات طويلة ارتبط النجاح المعماري بالشكل المميز.

لكن الدراسات الحديثة في علم النفس البيئي (Environmental Psychology) تشير إلى أن جودة المبنى لا تُقاس فقط بمظهره، بل بتأثيره على صحة الإنسان وسلوكه وراحته النفسية  (Gifford, 2014).

فالضوء الطبيعي، وجودة الهواء، والراحة الحرارية (Thermal Comfort)، وسهولة الحركة، والإحساس بالأمان والانتماء، كلها عناصر تؤثر في تجربة المستخدم (User Experience – UX) أكثر بكثير مما تؤثر فيه غرابة الشكل الخارجي.

ولهذا تؤكد الباحثة الأمريكية سارة ويليامز غولدهاغن (Sarah Williams Goldhagen) أن البيئة المبنية (Built Environment) تؤثر باستمرار في طريقة تفكيرنا وشعورنا وسلوكنا، حتى وإن لم نكن واعين لذلك، لأن الإنسان يتفاعل مع المكان بعقله وجسده وحواسه في الوقت نفسه (Goldhagen, 2017).

الإنسان لا يعيش في صورة:

قد تبدو بعض المباني مذهلة في الصور الجوية أو في لقطات الغروب.

لكن ماذا يحدث بعد أن يغادر المصور؟

هل تبقى الساحات مريحة في منتصف الصيف؟

هل يستطيع الأطفال اللعب فيها؟

هل يجد كبار السن أماكن للجلوس؟

هل يشعر السكان بأن المكان أصبح جزءاً من حياتهم؟

هذه الأسئلة لا تظهر في الصور، لكنها هي التي تحدد نجاح العمارة الحقيقي.

كتب المعماري السويسري بيتر زومثور (Peter Zumthor) أن جودة العمارة لا تكمن في قدرتها على إثارة الإعجاب، بل في قدرتها على خلق الأجواء المعمارية (Atmospheres) التي تمنح الإنسان شعوراً بالانتماء والطمأنينة، وتجعل حضوره في المكان طبيعياً ومريحاً.(Zumthor, 2006)

فالناس لا يعيشون داخل المفاهيم التصميمية، بل يعيشون داخل الفراغات.

المكان قبل الشكل:

يرى المعماري والمنظر النرويجي كريستيان نوربرغ-شولتز (Christian Norberg-Schulz) أن وظيفة العمارة الأساسية ليست إنتاج أشكال جميلة، بل مساعدة الإنسان على السكن الحقيقي من خلال تعزيز إحساس المكان (Sense of Place) ، والكشف عن عبقرية المكان (Genius Loci)، أي الخصائص الفريدة التي تمنح كل موقع هويته ومعناه. (Norberg-Schulz, 1980)

وعندما ينجح المبنى في التعبير عن روح المكان، فإنه يصبح جزءاً من ذاكرة الناس، حتى وإن لم يحصل على أي جائزة.

 

هل يمكن الجمع بين الجوائز والإنسان؟

ليس من العدل أن نفترض أن كل مبنى حائز على جائزة قد أُهمل فيه الإنسان.

فالكثير من المشاريع التي فازت بجوائز عالمية حققت هذا النجاح لأنها انطلقت من فهم عميق للمجتمع والسياق والثقافة.

وتُعد جائزة الآغا خان للعمارة (Aga Khan Award for Architecture) مثالاً واضحاً على ذلك، إذ لا تقيّم المشاريع بناءً على جمالها فقط، بل على أثرها الاجتماعي والثقافي والبيئي، وعلى مساهمتها في تحسين حياة الناس. (Aga Khan Award for Architecture, 2022)

كما أن عدداً من الفائزين بجائزة بريتزكر (Pritzker Architecture Prize) أكدوا في كلماتهم أن مسؤولية المعماري الأولى ليست إنتاج مبانٍ مبهرة، بل تحسين حياة الإنسان.

فالمعماري التشيلي أليخاندرو أرافينا (Alejandro Aravena) ، الحائز على جائزة بريتزكر عام 2016، شدد على أن العمارة تصبح ذات قيمة عندما تستجيب للاحتياجات الحقيقية للمجتمع، وليس عندما تتحول إلى مجرد استعراض شكلي. (Pritzker Architecture Prize, 2016)

ربما المشكلة ليست في الجوائز

بل في نسيان من هي الجهة التي ينبغي أن تمنح الجائزة الحقيقية.

فاللجان تجتمع مرة واحدة.

أما المستخدم، فيعيش داخل المبنى كل يوم.

لجنة التحكيم تزور المشروع لساعات.

أما الطفل، فقد يقضي فيه طفولته كاملة.

ويرى الفيلسوف والكاتب البريطاني آلان دو بوتون (Alain de Botton) أن العمارة لا ينبغي أن تُقاس فقط بمعاييرها الفنية، بل بقدرتها على تحسين جودة حياتنا، لأنها تؤثر في مشاعرنا وسلوكنا وطريقة عيشنا أكثر مما ندرك. (de Botton, 2006)

ولهذا فإن أعظم شهادة يمكن أن يحصل عليها أي مبنى ليست درعاً زجاجياً يوضع في مكتب المصمم.

بل أن يقول أحد مستخدميه بعد سنوات:

لا أستطيع أن أتخيل حياتي في مكان آخر.”

 

العمارة التي تستحق الجوائز

ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو:

هل ينبغي للمعماري أن يصمم من أجل الجوائز؟

فالجوائز ليست عدواً للعمارة، بل يمكن أن تكون وسيلة للاحتفاء بالأعمال المتميزة.

لكن السؤال الأهم هو:

ماذا يحدث عندما يصبح الفوز بالجائزة هو نقطة البداية في عملية التصميم، بدلاً من أن يكون نتيجة لها؟

فالعمارة التي تلامس الإنسان، وتحترم المكان، وتُثري التجربة المعيشة (Lived Experience) ، وتعزز إحساس المكان (Sense of Place)، قد لا تكون دائماً الأكثر غرابة أو الأكثر انتشاراً على وسائل التواصل الاجتماعي.

لكنها غالباً ما تكون الأكثر بقاءً في الذاكرة.

وربما لهذا السبب، لا يتذكر معظم الناس المباني التي حصدت الجوائز قبل عشرين عاماً.

لكنهم يتذكرون المدرسة التي أحبوا التعلم فيها، والمنزل الذي احتضن طفولتهم، والساحة التي شهدت لقاءاتهم الأولى.

فالعمارة العظيمة لا تعيش في صفحات المجلات…

بل تعيش في ذاكرة الناس.

 


 

ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

المراجع: 

  • Aga Khan Award for Architecture. (2022). Architecture for Islamic Societies Today. Aga Khan Development Network.
  • de Botton, A. (2006). The Architecture of Happiness. Pantheon Books.
  • Frampton, K. (1983). Towards a Critical Regionalism: Six Points for an Architecture of Resistance. In H. Foster (Ed.), The Anti-Aesthetic. Bay Press.
  • Gifford, R. (2014). Environmental Psychology: Principles and Practice (5th ed.). Optimal Books.
  • Goldhagen, S. W. (2017). Welcome to Your World: How the Built Environment Shapes Our Lives. Harper.
  • Norberg-Schulz, C. (1980). Genius Loci: Towards a Phenomenology of Architecture. Rizzoli.
  • Pallasmaa, J. (2012). The Eyes of the Skin: Architecture and the Senses (3rd ed.). Wiley.
  • Pritzker Architecture Prize. (2016). Alejandro Aravena – Acceptance Speech and Jury Citation.
  • Zumthor, P. (2006). Atmospheres: Architectural Environments, Surrounding Objects. Birkhäuser.