غالبًا ما تُفهم العمارة بوصفها فن تصميم الفضاءات التي يعيش فيها الناس ويعملون ويتجمعون. لكن المباني والمدن لا تقتصر وظيفتها على احتضان الأنشطة الإنسانية؛ فهي تنظّم الحركة، وتحدّد ما يمكن رؤيته، وترسم الحدود، وتؤثر في طريقة تفاعل الناس بعضهم مع بعض. فقد يفصل جدار بين المجتمعات، وينظّم ممر حركة الأفراد، بينما قد يجعل موقع المراقبة المدروس الناس أكثر وعيًا باحتمال وجود من يراقبهم.
تطرح هذه التأثيرات سؤالًا يتجاوز حدود التصميم المعماري: هل يمكن للعمارة أن تتحول إلى أداة للسلطة، فتوجّه سلوك الإنسان دون الحاجة إلى استخدام القوة المباشرة؟
على مرّ التاريخ، استخدمت السلطات البيئة المبنية للتعبير عن شرعيتها السياسية، وتنظيم السكان، وتقييد الحركة، وترسيخ أنظمة السيطرة. يظهر ذلك بوضوح في السجون والجدران الحدودية، لكنه قد يتجلى أيضًا في الفضاءات اليومية للمدن، حيث تحدّد قرارات تصميمية تبدو عادية مَن يستطيع الدخول، وأين يمكن للناس التجمع، وما الأنشطة التي يُسمح لهم بممارستها.
إن فهم هذه العلاقة يتطلب تجاوز المظهر الخارجي للمباني، والنظر في كيفية تنظيم الفضاء، والجهة التي تتحكم فيه، والطريقة التي يؤثر بها في الأشخاص الذين يستخدمونه.
عمارة المراقبة: حين يصبح احتمال الرؤية وسيلة للسيطرة
في أواخر القرن الثامن عشر، اقترح الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام (Jeremy Bentham) تصميمًا لسجن
عُرف باسم البانوبتيكون (Panopticon). يقوم هذا التصميم على مبنى دائري يضم زنزانات موزعة حول برج مراقبة مركزي، بحيث يستطيع المراقب، من موقعه، متابعة النزلاء المحتملين دون أن يتمكنوا من رؤيته.
تصوّر بنثام هذا الترتيب بوصفه وسيلة أكثر كفاءة لمراقبة السجناء. لكن أهمية الفكرة تجاوزت حدود تصميم السجون.
في كتابه (المراقبة والمعاقبة: ولادة السجن) (Discipline and Punish: The Birth of the Prison)، الصادر بالفرنسية عام 1975، تناول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) البانوبتيكون بوصفه نموذجًا لفهم العلاقة بين العمارة والمراقبة والسلطة التأديبية (Disciplinary Power).
لم تكن الآلية الأساسية في هذا التصميم مجرد إمكانية مراقبة الأفراد، بل عجزهم عن معرفة ما إذا كانت المراقبة تحدث فعلًا في لحظة معينة. وفي ظل هذه الظروف، قد يؤثر احتمال المراقبة في سلوكهم، حتى في غياب مراقب ظاهر.
وبذلك، لم يكن التصميم المعماري بحاجة إلى فرض القيود الجسدية بصورة مستمرة؛ بل أوجد ظروفًا قد تدفع الأفراد إلى ضبط سلوكهم بأنفسهم، انطلاقًا من اعتقادهم بأنهم قد يكونون تحت المراقبة.
لم ينظر فوكو إلى البانوبتيكون بوصفه مبنى محددًا فحسب، بل باعتباره نموذجًا لفهم كيفية عمل آليات الانضباط في مؤسسات مختلفة، بما فيها المدارس والمستشفيات والمصانع والسجون.
ومع ذلك، لا تعمل جميع هذه المؤسسات بالطريقة نفسها، كما أن عمارتها لا تؤدي تلقائيًا إلى الطاعة. فالتنظيم المكاني قد يعزز القواعد والروتينات والتسلسلات الهرمية التي تفرضها المؤسسات التي تستخدمه.
يكشف البانوبتيكون عن احتمال أساسي: قد لا تعمل السلطة فقط من خلال منع الناس من القيام بأشياء معينة، بل أيضًا من خلال خلق ظروف تدفعهم إلى مراقبة سلوكهم وضبطه بأنفسهم.

العمارة الضخمة وصناعة صورة السلطة
إذا كانت المراقبة إحدى الطرق التي يمكن للعمارة من خلالها تنظيم السلطة، فإن التعبير عن السلطة نفسها يمثل طريقة أخرى.
غالبًا ما تعبّر المباني الحكومية والقصور والمحاكم والساحات الكبرى عن النفوذ من خلال الحجم، والتناظر، والمواد، والتنظيم المكاني. وقد يجعل حضورها المادي المؤسسات تبدو أكثر رسوخًا وقوة واستقلالًا عن البيئة اليومية التي يعيش فيها الناس.
تتجلى هذه العلاقة بين العمارة والتمثيل السياسي (Political Representation) بوضوح في برازيليا (Brasília)، عاصمة البرازيل، التي افتُتحت عام 1960.
وُضعت المخططات العمرانية للعاصمة على يد لوسيو كوستا (Lúcio Costa)، بينما صمّم المعماري أوسكار نيماير (Oscar Niemeyer) عددًا من أبرز مبانيها المدنية والحكومية. وقد جسّدت المدينة رؤية طموحة للحداثة والتنمية الوطنية، من خلال مبانيها الحكومية الضخمة وفضاءاتها المدنية المنظمة بعناية.
ويُعدّ مبنى الكونغرس الوطني البرازيلي (National Congress)، بقبابه المميزة وأبراج مكاتبه المرتفعة، مثالًا واضحًا على استخدام العمارة للتعبير عن صورة المؤسسات الحكومية.
لكن برازيليا تطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: ماذا يحدث عندما تُصمَّم مدينة لتجسيد رؤية وطنية كبرى، بينما تتطلب احتياجات سكانها اليومية نوعًا مختلفًا من البيئة الحضرية؟
أثار تخطيط المدينة وتطورها اللاحق نقاشات واسعة حول العلاقة بين التكوين المعماري الضخم، وسهولة الوصول إلى الفضاءات، والتنقل اليومي، والتفاوت الاجتماعي.
لا يعني ذلك أن العمارة الضخمة موجودة بالضرورة لترهيب المواطنين، أو أن برازيليا صُمّمت ببساطة أداةً للسيطرة السياسية. فتاريخ المدينة أكثر تعقيدًا من ذلك. ومع هذا، فإنها توضح كيف يمكن للعمارة أن تحوّل الطموحات السياسية إلى بيئة مادية، تؤثر في الطريقة التي تقدم بها الدولة نفسها، وفي كيفية تجربة الناس لمؤسساتها.
وهنا تكمن نقطة مهمة: العمارة لا تحتضن السلطة فحسب، بل قد تسهم أيضًا في منحها شكلًا ماديًا ومرئيًا يدوم طويلًا.

رسم الحدود عبر البيئة المبنية
إذا كانت العمارة الضخمة تعبّر عن السلطة، فإن الجدران والحواجز تستطيع فرضها بصورة أكثر مباشرة.
يقدم جدار برلين (Berlin Wall)، الذي قسّم المدينة بين عامي 1961 و1989، أحد أوضح الأمثلة التاريخية على هذه العلاقة.
لم يكن الجدار مجرد خط يفصل بين منطقتين سياسيتين، بل غيّر التنظيم المادي لمدينة قائمة بالفعل. فقد قسّم الأحياء، وقطع المسارات المعتادة، وفصل العائلات، وقيّد الحركة بين برلين الشرقية وبرلين الغربية.
أصبحت البيئة المبنية جزءًا من منظومة أوسع للسيطرة السياسية. فقد حدّدت الجدران ونقاط التفتيش وترتيبات المراقبة والمعابر المقيّدة الأماكن التي يستطيع الناس الوصول إليها والشروط التي تحكم حركتهم.
وامتدت النتائج إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالرحلات التي كانت عادية في السابق أصبحت مستحيلة، أو باتت تتطلب المرور عبر معابر حدودية خاضعة للرقابة. كما انفصلت أجزاء من النسيج الحضري الذي كان متصلًا، بفعل منظومة صُمّمت لمنع الحركة غير المصرّح بها.
يوضح جدار برلين كيف يمكن ممارسة السلطة السياسية من خلال تنظيم الفضاء نفسه. فالحركة لا تُضبط بالقوانين والأفراد المسلحين وحدهم، بل أيضًا من خلال الترتيب المادي للحواجز والمسارات ونقاط الوصول.
ويكشف تاريخ الجدار كذلك عن حدود العمارة بوصفها أداة للسلطة. فعلى الرغم من بقائه لعقود، فإنه لم يتمكن من حل الصراعات السياسية التي أدت إلى بنائه بصورة دائمة. وفي عام 1989، فُتحت الحدود، وبدأت آثار التقسيم المادي الذي شكّل حياة المدينة لما يقارب ثلاثة عقود تتلاشى.
يمكن للعمارة أن تجسّد الانقسامات السياسية وأن تفرضها على الحياة اليومية، لكنها لا تستطيع ضمان بقاء النظام السياسي الذي تخدمه إلى الأبد.

مَن يحق له استخدام الفضاء العام؟
لا تقتصر العلاقة بين العمارة والسلطة على السجون والمباني الحكومية والجدران الحدودية، بل تظهر أيضًا في تصميم الفضاءات العامة العادية وإدارتها.
قد تكون الساحة مفتوحة ماديًا للجميع، بينما يؤدي تصميمها أو تنظيمها أو أسلوب إدارتها إلى تثبيط أنشطة معينة أو إبعاد فئات محددة من الناس. ويمكن لترتيب المقاعد والحواجز وأنظمة المراقبة وقيود الوصول وإزالة أماكن الاستراحة أن يؤثر في كيفية استخدام الناس للفضاء العام.
ومن الأمثلة المعاصرة على ذلك (العمارة المعادية) (Hostile Architecture)، التي تُعرف أيضًا باسم التصميم المعادي (Hostile Design). ويشير المصطلح إلى تدخلات تصميمية تهدف إلى تثبيط سلوكيات معينة أو منع أشخاص من استخدام الفضاء بطريقة محددة.
تشمل الأمثلة المقاعد التي تتوسطها فواصل تمنع الاستلقاء عليها، والمسامير التي تُركّب على الأسطح التي قد يستخدمها الناس للراحة، والعناصر المصممة لتثبيط التزلج بالألواح (Skateboarding).
في مقاله حول (التصميم المعادي: آفاق نظرية وتجريبية) (On Hostile Design: Theoretical and Empirical Prospects)، المنشور في مجلة Urban Studies عام 2020، يناقش الباحث روبرت روزنبرغر (Robert Rosenberger) كيف يمكن لهذه التدخلات أن تدفع بعض السلوكيات والأشخاص خارج الفضاءات العامة، مشيرًا أيضًا إلى الحاجة إلى مزيد من الأبحاث التجريبية لفهم آثارها.
لا تكمن المشكلة في أن كل مقعد أو حاجز أو إجراء أمني يمثل محاولة للسيطرة السياسية؛ فكثير من التدخلات في الفضاء العام يخدم أغراضًا مشروعة، مثل تعزيز سهولة الاستخدام والسلامة والصيانة.
إنما يكمن السؤال فيما يحدث عندما يُستخدم التصميم لإدارة الفضاء العام عبر جعل وجود أشخاص معينين أو ممارستهم لأنشطة محددة أمرًا غير مريح أو مستحيلًا، ولا سيما عندما لا تتوفر لهم بدائل مناسبة.
فالمقعد المصمم لمنع النوم عليه قد يُبرَّر باعتباره وسيلة لتنظيم الفضاء العام. لكن أثره يختلف بين شخص ينتظر الحافلة وشخص بلا مأوى لا يجد مكانًا آخر يستريح فيه.
في مثل هذه الحالات، يمكن للتصميم أن يفرض الإقصاء دون أن يمنع الشخص رسميًا من دخول المكان.
لذلك، يصبح التمييز بين إمكانية الوصول إلى الفضاء العام وإمكانية استخدامه فعليًا أمرًا أساسيًا. فقد يبقى المكان متاحًا من الناحية الشكلية، بينما يحدّ تنظيمه المادي من قدرة بعض الأشخاص على البقاء فيه براحة أو ممارسة أنشطة معينة.
عندما تحدد العمارة مَن يُرحَّب به، ومَن يُطلب منه المغادرة، ومَن يستطيع البقاء، فإنها تصبح جزءًا من السياسة التي تحكم الفضاء العام.

هل يمكن تصميم المدن للحد من المعارضة؟
تؤدي الفضاءات العامة دورًا أساسيًا في التعبير السياسي. فالشوارع والساحات تتيح للناس التجمع والتظاهر وإيصال مطالبهم وإظهار اعتراضهم بصورة جماعية.
وتؤثر الخصائص المادية لهذه الأماكن في كيفية حدوث هذه الأنشطة. فعرض الشارع، وانفتاح الساحة، وموقع المباني الحكومية، وسهولة الوصول إلى أماكن التجمع، كلها عوامل قد تؤثر في إمكانات الاحتجاج والتجمع العام.
وبالتالي، فإن التخطيط الحضري (Urban Planning) له تبعات على الحياة السياسية، حتى عندما لا يكون الهدف من التصميم صراحةً تشجيع الاحتجاج أو قمعه.
تؤثر الخصائص المادية للفضاءات العامة في كيفية ممارسة الناس لحقهم في التجمع والتعبير السياسي. فعرض الشوارع، وانفتاح الساحات، وموقع المباني الحكومية، وسهولة الوصول إلى أماكن التجمع، كلها عوامل يمكن أن تسهّل الاحتجاجات أو تجعل تنظيمها أكثر صعوبة. فالفضاء العام ليس مجرد خلفية للأحداث السياسية، بل إن طريقة تصميمه وتنظيمه قد تؤثر في قدرة الناس على الاجتماع وإيصال مطالبهم. ومع ذلك، لا يحدد التصميم المعماري وحده إمكانات الاحتجاج، إذ تتداخل معه القوانين والسياسات وطريقة إدارة الفضاء العام.
تتمثل إحدى الأفكار الأساسية في هذا الطرح في أن الفضاء العام ليس مجرد خلفية للأحداث السياسية؛ فتنظيمه يؤثر في الفرص المتاحة أمام الأشخاص الذين يسعون إلى احتلاله بصورة جماعية.
وتعمل العلاقة في الاتجاهين. فقد يسهّل التصميم الحضري التجمع أو يجعله أكثر صعوبة، لكن المحتجين يستطيعون أيضًا تغيير معنى المكان من خلال وجودهم وممارساتهم.
فعلى سبيل المثال، قد تتحول ساحة صُمّمت للتعبير عن هيبة الدولة إلى موقع للاحتجاج الشعبي. وقد يتحول شارع خُصّص أساسًا لحركة المرور إلى فضاء للتعبير الجماعي.
وهذا ما يجعل الفضاء العام ساحة تفاوض مستمر بين السيطرة المؤسسية والقدرة الشعبية على الفعل والمقاومة.
ومع ذلك، سيكون من المبالغة الادعاء بأن تخطيطًا حضريًا معينًا يؤدي تلقائيًا إلى قمع المعارضة. فالمشاركة السياسية تتأثر بعوامل عديدة، منها القوانين، وأسلوب تعامل أجهزة إنفاذ القانون، والتنظيم الاجتماعي، واستعداد الناس للتحرك الجماعي.
لكن القرارات المتعلقة بالوصول والحركة والحواجز وإدارة الأماكن العامة يمكن أن تؤثر في الظروف العملية التي يحدث فيها التعبير السياسي.
وبذلك، لا يؤثر تصميم المدينة في كيفية تنقل الناس داخلها فحسب، بل قد يؤثر أيضًا في قدرتهم على الاجتماع معًا لمساءلة الأنظمة التي تحكم حياتهم.

سلطة العمارة ليست مطلقة
سيكون من المضلل الإيحاء بأن العمارة بطبيعتها استبدادية، أو أن المعماريين يستطيعون تحديد سلوك الإنسان من خلال التصميم وحده.
فالمباني لا تعمل بمعزل عن المؤسسات والقوانين والظروف الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية المحيطة بها. ويمكن استخدام التكوين المكاني نفسه لأغراض مختلفة، كما أن الناس كثيرًا ما يعيدون توظيف الفضاءات بطرق لم يتوقعها مصمموها.
قد تشجّع المدرسة على التعلّم، وفي الوقت نفسه تفرض روتينًا صارمًا. وقد تعبّر الساحة العامة عن هيبة الحكومة، بينما توفر مكانًا للاحتجاج السياسي. وقد يقيّد الجدار الحركة، لكن معناه يمكن أن يتغير عندما يتغير النظام السياسي الذي يقف وراءه.
تخلق العمارة إمكانات وقيودًا وظروفًا محددة، لكن آثارها تعتمد على كيفية تفاعلها مع الممارسات المؤسسية، وعلى استجابات الناس لها.
ولهذا، فإن دراسة العلاقة بين العمارة والسلطة تتطلب أكثر من مجرد تحديد المباني المهيبة أو الحواجز المادية المقيّدة. إنها تتطلب طرح أسئلة حول الجهة التي طلبت المشروع، والأغراض التي يخدمها، والأشخاص الذين يستطيعون الوصول إليه، والسلوكيات التي يشجعها، والمصالح التي يدعمها تصميمه.
كما تتطلب الاعتراف بأن العمارة يمكن أن تُستخدم لمساءلة السلطة أيضًا. فالفضاءات العامة الميسّرة، والشوارع التي تسمح بالتجمع، والبيئات المصممة لتشجيع التفاعل الاجتماعي، يمكن أن تدعم المشاركة بدلًا من تقييدها.
فالبيئة المبنية نفسها التي تسهّل السيطرة قد تتحول، في ظروف معينة، إلى مساحة للمقاومة.

ما وراء الجدران
غالبًا ما تُقيَّم العمارة بناءً على خصائصها البصرية، وأدائها التقني، وقدرتها على تلبية المتطلبات الوظيفية. وتظل هذه الاعتبارات مهمة، لكنها لا تفسّر بالكامل الدور الذي تؤديه المباني والمدن في المجتمع.
فالمبنى يحدد ما يمكن رؤيته، والشارع ينظّم الحركة، والجدار يرسم الحدود، والساحة العامة تتيح فرصًا للتجمع، أو قد تجعل بعض أشكال التجمع أكثر صعوبة تبعًا لتصميمها وطريقة إدارتها.
تؤثر هذه القرارات في الظروف التي يعيش الناس ويتفاعلون ضمنها.
ليس السؤال هو ما إذا كانت العمارة قادرة على السيطرة الكاملة على البشر؛ فهي ليست كذلك. بل السؤال الأهم هو كيف يمكن للبيئة المبنية أن تعزّز أنظمة السلطة، وتطبع سلوكيات معينة، وتقيّد إمكانات محددة، دون أن يبدو ذلك دائمًا شكلًا من أشكال الإكراه.
وهنا تبرز مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق المعماريين، تتجاوز الجماليات والأداء التقني. فتصميم الفضاء يعني اتخاذ قرارات بشأن الوصول والرؤية والحركة والخصوصية والمشاركة، وهي قرارات تترك آثارًا في الأشخاص الذين يستخدمون المكان.
لا تحتاج العمارة إلى إصدار الأوامر مباشرة كي تؤثر في سلوك الناس؛ ففي بعض الأحيان، يكفي أن تشكّل الفضاء الذي تُتخذ الخيارات داخله.
ملاحظة: جميع الصور المصاحبة لهذا المقال هي صور إيضاحية تم إنشاؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
المراجع:
- Foucault, Michel. Discipline and Punish: The Birth of the Prison. Translated by Alan Sheridan. New York: Pantheon Books, 1977. Originally published in French in 1975.
https://www.foucault.info/documents/foucault.disciplineAndPunish.panOpticism/ - Rosenberger, Robert. “On Hostile Design: Theoretical and Empirical Prospects.” Urban Studies 57, no. 4 (2020): 883–893.
https://doi.org/10.1177/0042098019853778 - Stiftung Haus der Geschichte der Bundesrepublik Deutschland. “Permanent Exhibition: Tränenpalast — Site of German Division.”
https://www.hdg.de/en/traenenpalast/permanent-exhibition/ - Rosenberger, Robert. “Hostile Design.” Oxford Bibliographies in Urban Studies, 2024.
https://academic.oup.com/reference/62419/reference-article-abstract/556034431







