هندسة الشعور: كيف تشكل العمارة إحساسنا بالمكان؟

هندسة الشعور: نظرة في ظاهراتية العمارة
ترجمة عربية لفصل «The Geometry of Feeling: A Look at the Phenomenology of Architecture»  للمعماري والمنظّر Juhani Pallasmaa.

لماذا لا ينجح سوى عددٍ قليلٍ جدًا من المباني الحديثة في ملامسة مشاعرنا، في حين أن أي منزلٍ مجهول تقريبًا في بلدةٍ قديمة، أو أبسط ملحقٍ زراعي متواضع، يمنحنا إحساسًا بالألفة والمتعة؟ ولماذا تملك الأساسات الحجرية التي نعثر عليها في مرجٍ اجتاحته الأعشاب، أو حظيرة متهالكة، أو بيت قوارب مهجور، القدرة على إثارة خيالنا، بينما تبدو منازلنا المعاصرة وكأنها تخنق أحلام يقظتنا وتكبتها؟

قد تثير مباني عصرنا فضولنا بما تتسم به من جرأة أو ابتكار، لكنها نادرًا ما تمنحنا إحساسًا بمعنى العالم الذي نعيش فيه أو بمعنى وجودنا الإنساني ذاته. وفي الوقت الراهن تُبذل محاولات لإحياء اللغة المعمارية التي أصابها الوهن، سواء عبر إثراء مفرداتها التعبيرية أو من خلال استعادة الموضوعات التاريخية. غير أن الأعمال الطليعية، على الرغم من تنوعها الغزير والمفرط، تبدو خالية من المعنى بالقدر نفسه الذي تتسم به المقاربة التقنية الباردة للبناء التي تسعى إلى التمرد عليها.

وقد شغلت مسألة تراجع المعنى الداخلي للعمارة اهتمام العديد من الكتابات الحديثة في مجال النظرية المعمارية. فبعض الباحثين يرى أن عمارتنا تعاني فقرًا شكليًا، بينما يرى آخرون أن أشكالها أصبحت شديدة التجريد أو مفرطة في الطابع الذهني والعقلاني. ومن منظور الفلسفة الثقافية، يبدو أن مادية عصرنا القائمة على النزعة اللذّية والاستهلاكية آخذة في فقدان ذلك البعد الروحي والفكري الذي قد يكون جديرًا، في جوهره، بأن يُخلَّد في الحجر.

العمارة بوصفها لعبًا بالشكل
ARCHITECTURE AS PLAY WITH FORM

مع تحوّل العمارة إلى مهنة متخصصة، انفصلت تدريجيًا عن خلفيتها القصدية، وأصبحت تخصصًا يتحدد على نحو متزايد بقواعده الخاصة ومنظوماته القيمية الذاتية. وقد غدت العمارة مجالًا تقنيًا لا يزال يجرؤ على الاعتقاد بأنه شكل من أشكال التعبير الفني الحر.

منشور في مجلة سكالا: المجلة الإسكندنافية للعمارة والفنون، العدد 4 (يونيو 1986)، ص 22–25. بإذن من المؤلف والناشر.

غير أن ثمة دليلًا إضافيًا يمكن تقديمه على الكيفية التي انفصلت بها العمارة عن خلفيتها الحقيقية وغرضها الأساسي. وأود هنا أن أتناول جانبًا واحدًا من هذه المسألة، يتمثل في العلاقة بين الشكل المعماري وكيفية اختبار العمارة وتجربتها.

وأستند في ذلك إلى الرأي القائل إن عملية التصميم قد تحولت، بدرجة كبيرة، إلى نوع من اللعب بالشكل، بحيث جرى التغاضي عن الواقع الفعلي لتجربة المبنى كما تُعاش. فنحن نرتكب خطأً عندما نفكر في المبنى ونقيّمه بوصفه تكوينًا شكليًا، ولم نعد نفهم أنه رمز، أو نختبر ذلك الواقع الآخر الكامن وراء الرمز.

لقد آن الأوان لأن نتساءل عمّا إذا كانت الأشكال، أو الهندسة عمومًا، قادرة على توليد الإحساس المعماري. وهل تُعد الأشكال أصلًا العناصر الأساسية الحقيقية للعمارة؟ بل هل تمثل حتى عناصر البناء، مثل الجدران والنوافذ والأبواب، الوحدات الحقيقية للتأثير المعماري؟

وهم النزعة الاختزالية  (Elementarism)

لقد كان تقدم العلم الحديث خاضعًا إلى حد كبير لمبدأ النزعة الاختزالية (Elementarism) ومبدأ الاختزال (Reductionism) . فكل ظاهرة يتم تناولها تُجزَّأ إلى عناصرها وعلاقاتها الأساسية، ويُنظر إليها بوصفها مجرد مجموع هذه العناصر.

وقد هيمنت هذه الرؤية الاختزالية أيضًا على نظرية الفن والعمارة وتعليمهما وممارستهما. وفي الوقت نفسه، جرى اختزال هذه الحقول إلى فنون تخص الحاسة البصرية وحدها.

وبالاستناد إلى الأيديولوجيا التي رسختها مدرسة الباوهاوس، تُدرَّس العمارة وتُحلَّل بوصفها لعبة بالأشكال، تجمع عناصر بصرية مختلفة من الشكل والفراغ. ويُعتقد أن هذا التكوين يكتسب طابعًا قادرًا على تحفيز الحواس البصرية عبر ديناميكيات الإدراك البصري كما تدرسها سيكولوجية الإدراك.

ويُنظر إلى المبنى بوصفه تركيبًا ماديًا يتألف من مجموعة منتقاة من العناصر الأساسية المحددة سلفًا، لكنه لم يعد متصلًا بواقع التجربة خارج ذاته، ولا حتى بسعيٍ واعٍ إلى تمثيل أو التعبير عن مجال الوعي الإنساني.

لكن أليس العمل الفني في جوهره نقيضًا لهذه الفكرة الاختزالية بأكملها؟ أليست معاني العمل الفني تولد من الكل، من رؤية توحِّد الأجزاء، وليست بأي حال من الأحوال مجرد مجموع عناصر منفصلة؟

 

عمارة الصورة (Architecture of Imagery)

إن البعد الفني للعمل الفني لا يكمن في الشيء المادي ذاته؛ بل يوجد فقط في وعي الشخص الذي يختبره. وبالتالي فإن تحليل العمل الفني يبلغ ذروته كأصالة في الاستبطان الذي يقوم به الوعي المنصَبّ عليه.

إن معنى العمل الفني لا يكمن في أشكاله، بل في الصور التي تنقلها هذه الأشكال وفي القوة الانفعالية التي تحملها. فالشكل لا يؤثر في مشاعرنا إلا من خلال ما يمثله.

وعليه، فطالما أن التعليم والنقد لا يسعيان إلى توضيح الأبعاد المُدركة شعوريًا في العمارة، فإنهما لن يمسّا جوهرها الفني الحقيقي. إن الجهود المبذولة اليوم لاستعادة ثراء اللغة المعمارية عبر تنوع الأشكال تقوم على سوء فهم لجوهر الفن.

إن ثراء العمل الفني يكمن في حيوية الصور التي يثيرها، وبشكلٍ مفارق فإن أكثر الصور قابلية للتأويل هي تلك التي تُستدعى من أبسط الأشكال وأكثرها أصالة ونمطية (أركيتايبية).

إن عودة ما بعد الحداثة إلى الموضوعات التاريخية القديمة تفتقر إلى القوة الانفعالية، لأن هذه “الكولاجات” من الزخارف المعمارية لم تعد مرتبطة بمشاعر ظاهراتية أصيلة تعبّر عن التجربة المعمارية الحقيقية.

وقد قال عزرا باوند إن الموسيقى تفسد عندما تبتعد كثيرًا عن الرقص، وإن الشعر يذبل عندما ينفصل عن الموسيقى والغناء. وبالمثل، فإن للعمارة أصولها الخاصة، وإذا ابتعدت عنها كثيرًا فإنها تفقد فعاليتها.

إن تجديد أي فن يعني إعادة اكتشاف جوهره العميق. إن لغة الفن هي لغة الرموز التي يمكن أن تتطابق مع وجودنا. وإذا فقد الفن صلته بالذاكرة الحسية التي تعيش في اللاوعي وتربط حواسنا المختلفة، فإنه يتحول إلى مجرد زخرفة فارغة بلا معنى.

إن تجربة الفن هي تفاعل بين ذاكرتنا المتجسدة وعالمنا. وبمعنى ما، فإن كل فن ينشأ من الجسد، كما أشار الناقد الفني الإدراكي أدريان ستوكس.

ماهية العمارة  The Eidos of Architecture –

نحن، كمعماريين، لا نصمم المباني في المقام الأول بوصفها أشياء مادية، بل نصمم الصور والمشاعر الخاصة بالأشخاص الذين يعيشون فيها. ومن ثم فإن أثر العمارة ينبع من صور مشتركة بدرجات متفاوتة ومن مشاعر أساسية مرتبطة بالبناء. وهذه المشاعر الأساسية هي ما تحلله الظاهراتية (Phenomenology) ، وقد أصبحت أيضاً خلال السنوات القليلة الماضية منهجاً أكثر شيوعاً لدراسة العمارة. والظاهراتية، بوصفها مقاربة فلسفية ترتبط على نحو وثيق باسمَي إدموند هوسرل ومارتن هايدغر، ذات طبيعة استبطانية، على النقيض من السعي إلى الموضوعية الذي يتبناه الموقف الوضعي. وتسعى الظاهراتية إلى وصف الظواهر التي تتوجه مباشرة إلى الوعي (Consciousness) بوصفه كذلك، من دون أي نظريات أو تصنيفات مستمدة من العلوم الطبيعية أو علم النفس. ولذلك تعني الظاهراتية دراسة ظاهرة من ظواهر الوعي ضمن بُعدها الخاص بالوعي. وهذا يعني، باستخدام مفهوم هوسرل، «النظر الخالص» إلى الظاهرة، أو «معاينة الماهية (Essence) .

وعليه، فإن الظاهراتية هي مقاربة نظرية خالصة للبحث بالمعنى الأصلي للكلمة اليونانية ثيوريا (Theoria)، التي تعني على وجه التحديد «النظر إلى».

إن ظاهراتية العمارة هي، إذن، «النظر إلى» العمارة من داخل الوعي الذي يختبرها، من خلال الإحساس المعماري (Architectural Feeling)، وذلك على النقيض من تحليل النِّسَب والخصائص الفيزيائية للمبنى أو إطاره المرجعي الأسلوبي. وتسعى ظاهراتية العمارة إلى الكشف عن اللغة الداخلية للبناء.

وبوجه عام، يوجد قدر كبير من الشك تجاه المقاربة الاستبطانية للفن لأنها تُعَدّ مفتقرة إلى الموضوعية. غير أن الناس لا يبدون أنهم يطالبون العمل الإبداعي للفنان بالنوع نفسه من الموضوعية. فالعمل الفني لا يكون واقعاً إلا عندما يُختبَر، واختبار العمل الفني يعني إعادة خلق بُعده الشعوري.

ومن أهم «المواد الخام» للتحليل الظاهراتي للعمارة ذاكرة الطفولة المبكرة. لقد اعتدنا أن ننظر إلى ذكريات الطفولة بوصفها نواتج للوعي الساذج وللقدرة غير الدقيقة على التذكر لدى الطفل، أي شيئاً يتمتع بجاذبية كبيرة ولكنه قليل القيمة الحقيقية بقدر أحلامنا. غير أن كلتا الفكرتين المسبقتين خاطئتان. فمن المؤكد أن احتفاظ بعض الذكريات المبكرة بفرادتها الشخصية وقوتها الانفعالية طوال حياتنا يقدّم دليلاً مقنعاً على أهمية هذه الخبرات وأصالتها، تماماً كما تكشف أحلامنا وأحلام اليقظة عن أكثر محتويات عقولنا واقعيةً وعفويةً.

العمارة بلا معماريين

تُقدِّم الطرق التي تُعرَض وتُمثَّل بها العمارة في الفنون الأخرى مادةً خصبةً أيضاً للتحليل الظاهراتي (Phenomenological)  للتجربة المعمارية. ففي الشعر، تُعَدّ الصور المرتبطة بالمباني شائعة، وهي تمثل المادة الفعلية لعمل غاستون باشلار شاعرية الفضاء  (La Poétique de l’Espace). كما كتب باشلار عملاً ظاهراتياً عن شاعرية أحلام اليقظة  (La Poétique de la Rêverie)، وهو عمل يمتلك العديد من نقاط التماس مع فن البناء على الرغم من أن موضوعه ليس معمارياً.

وفي كتابة الرواية، والسينما، والتصوير الفوتوغرافي، والرسم، تؤدي اللغة السرية التي تؤثر بها المناظر الطبيعية والمباني والأشياء في الناس دوراً حاسماً في كثير من الأحيان. ويمكن العثور على أمثلة لذلك في كلاسيكيات الأدب الروسي، وأفلام ألفرد هيتشكوك (Alfred Hitchcock) وأندريه تاركوفسكي (Andrei Tarkovsky)، وصور ووكر إيفانز (Walker Evans) الفوتوغرافية، أو في العمارة التي تظهر في اللوحات الفنية، ابتداءً من المنمنمات (Miniatures) في العصور الوسطى وصولاً إلى مناظر إدوارد هوبر (Edward Hopper) الطبيعية التي تجسد الوحدة الميتافيزيقية  (Metaphysical)، وغرف بالتوس (Balthus) المفعمة بالقلق الإيروتيكي Erotic Anxiety.

إن الكاتب أو المخرج السينمائي أو الرسام مضطر إلى أن يمنح الحدث الإنساني الذي يقدمه إطاراً ومكاناً، وبالتالي فهو يؤدي في الواقع مهمة تصميم معماري من دون عميل، أو حسابات إنشائية، أو رخصة بناء.

إن تمثيل العمارة في الفنون الأخرى هو «النظر الخالص» الذي يميز الطريقة الطفولية في اختبار الأشياء، لأن قواعد التخصص المعماري لا تنظّم لا التجربة ذاتها ولا الطريقة التي تُقدَّم بها.

عمارة الذاكرة

إن العمارة الداخلية للعقل، التي تنبثق من المشاعر وصور الذاكرة، تُبنى على مبادئ تختلف عن تلك التي تقوم عليها العمارة المتطورة من المقاربات المهنية.

فعلى سبيل المثال، لا أستطيع شخصياً أن أستحضر من طفولتي نافذةً واحدة أو باباً واحداً بوصفه كذلك، ولكنني أستطيع أن أجلس عند نوافذ ذكرياتي الكثيرة وأن أنظر منها إلى حديقة اختفت منذ زمن طويل، أو إلى فسحةٍ كانت مفتوحة وأصبحت الآن مملوءة بالأشجار.

كما أستطيع أن أعبر عبر الأبواب التي لا تُحصى في ذاكرتي، وأن أتعرّف إلى الدفء المعتم والرائحة الخاصة للغرف الموجودة على الجانب الآخر منها.

 

المشاعر الأولية للعمارة

لقد قلت إن العمارة لا يمكن أن تكون مجرد لعب بالأشكال. وهذا الرأي لا ينبع من الحقيقة البديهية المتمثلة في أن العمارة مرتبطة بوظيفتها العملية وبالعديد من الشروط الخارجية الأخرى. ولكن إذا لم يحقق المبنى الشروط الأساسية المصاغة له ظاهراتياً (Phenomenologically) بوصفه رمزاً للوجود الإنساني، فإنه يعجز عن التأثير في المشاعر العاطفية المرتبطة في نفوسنا بالصور التي يخلقها المبنى.

إن الأثر المعماري يقوم على عدد مما يمكن أن نطلق عليه المشاعر الأولية  Primary Feelings. وتشكل هذه المشاعر «المفردات الأساسية» الحقيقية للعمارة، ومن خلال الاشتغال عليها يصبح العمل عمارةً لا، على سبيل المثال، منحوتةً ضخمة أو تصميماً مسرحياً (Scenography).

فالعمارة هي تعبير مباشر عن الوجود، وعن الحضور الإنساني في العالم. وهي تعبير مباشر بمعنى أنها تستند إلى حدٍّ كبير إلى لغة الجسد، وهي لغة لا يكون كلٌّ من مبدع العمل والشخص الذي يختبره واعياً بها. ويمكن أن تكون الأنواع التالية من الخبرات من بين المشاعر الأولية التي تنتجها العمارة:

  • المنزل بوصفه علامة للثقافة في المشهد الطبيعي، والمنزل بوصفه إسقاطاً للإنسان ونقطة مرجعية في المشهد الطبيعي.
  • الاقتراب من المبنى، والتعرف إلى مسكن بشري أو مؤسسة معينة من خلال هيئة المنزل.
  • الدخول إلى مجال تأثير المبنى، أو إلى إقليمه، أو مجرد التواجد بالقرب منه.
  • الإحساس بوجود سقف فوق الرأس، والشعور بالحماية والظل.
  • دخول المنزل، والعبور من خلال الباب، واجتياز الحد الفاصل بين الخارج والداخل.
  • العودة إلى المنزل أو الدخول إليه لغرض محدد؛ التوقع والتحقق، والشعور بالغربة والألفة.
  • التواجد داخل الغرفة؛ الإحساس بالأمان، أو بالمشاركة الاجتماعية، أو بالعزلة.
  • التواجد ضمن مجال تأثير البؤر التي تمنح المبنى تماسكه، مثل الطاولة أو السرير أو الموقد.
  • مواجهة الضوء أو الظلام المهيمن على الفضاء؛ فضاء الضوء.
  • النظر من النافذة؛ والارتباط بالمشهد الطبيعي.

وأعتقد أن اختبار الوحدة loneliness هو أحد المشاعر الأساسية التي تمنحها العمارة، تماماً كما هي الحال مع تجربتي الصمت والضوء اللتين تتكرران كثيراً في نصوص لويس كان (Louis Kahn). فالتجربة المعمارية القوية تنتج دائماً إحساساً بالوحدة والصمت، بغض النظر عن العدد الفعلي للأشخاص الموجودين أو مستوى الضوضاء المحيط. إن اختبار الفن هو حوار خاص بين العمل والشخص الذي يختبره، حوار يستبعد جميع أشكال التفاعل الأخرى.

ولا يمكن للمشهد الطبيعي أن يعبّر عن العزلة بالطريقة نفسها التي يعبّر بها المبنى. فالطبيعة لا تحتاج إلى الإنسان لكي تفسر نفسها، أما المبنى فإنه يمثل بانيه ويعلن غيابه. إن الإحساس الموجع بالوحدة الذي حققه الرسامون الميتافيزيقيون (Metaphysical Painters)  يستند تحديداً إلى علامات الإنسان التي تذكّر المشاهد بعزلته.

إن أكثر الخبرات المعمارية شمولاً، وربما أهمها، هو الإحساس بالتواجد في مكان فريد. ويصاحب هذا الاختبار المكثف للمكان دائماً تقريباً انطباع بوجود شيء مقدس؛ وكأن هذا المكان قد أُعدّ لكائنات أسمى. وقد يبدو المنزل مشيَّداً لغرض عملي، لكنه في الحقيقة أداة ميتافيزيقية  (Metaphysical)، وأداة أسطورية (Mythical) نحاول من خلالها إدخال انعكاس للأبدية في وجودنا العابر.

إن العمارة توجد في واقع مختلف عن واقع حياتنا اليومية وانشغالاتنا المعتادة. وتنبع القوة العاطفية للأطلال، وللمنزل المهجور، وللأشياء المتروكة، من كونها تجعلنا نتخيل مصير أصحابها ونشاركه معهم. فهي تغوي مخيلتنا بالتجوال بعيداً عن عالم الوقائع اليومية. ولا تكمن قيمة العمارة في الإحساس بالواقع الذي تعبّر عنه، بل على العكس تماماً، في قدرتها على إيقاظ المخيلة.

إن العمارة مأهولة دائماً بالأرواح. وقد يعيش في المبنى أشخاص نعرفهم، لكنهم ليسوا سوى ممثلين ثانويين في حلم يقظة. أما في الحقيقة، فإن العمارة هي دائماً موطن للأرواح، ومكان إقامة للكائنات الميتافيزيقية  (Metaphysical Beings).

إن المدافعين اليوم عن أنسنة العمارة (Humanization of Architecture) مخطئون تماماً عندما يزعمون أن المباني ينبغي أن تُصمَّم لتلبية احتياجات الأشخاص الواقعيين. وأود أن يذكروا لي مبنى عظيماً واحداً في تاريخ العمارة لم يُشَيَّد من أجل الإنسان المُثالي  (Idealized Man).  إن الشرط الأول لإنتاج عمارة جيدة هو خلق عميل مثالي للمشروع المطروح.

التجربة متعددة الحواس  (Multisensory Experience)

إن التجربة المعمارية المؤثرة تجعل كامل قابليتنا الجسدية والذهنية أكثر حساسية واستجابة. ومن الصعب الإحاطة ببنية الشعور بسبب اتساعها وتنوعها. ففي التجربة نجد مزيجاً من العناصر البيولوجية والثقافية المكتسبة، والجماعية والفردية، والواعية وغير الواعية، والتحليلية والعاطفية، والذهنية والجسدية.

يمكن تفسير الرموز والارتباطات في لغة الفن بطرائق عديدة، وهي تجعل وعينا ينتقل من تفسير محتمل إلى آخر. ويشير أدريان ستوكس  (Adrian Stokes)، على سبيل المثال، إلى العلاقة الوثيقة بين تجربة الرخام والنحت البارز المنخفض (Low Relief) من جهة، وخيالات الماء (Water Fantasies)  من جهة أخرى.

فماذا عن الفضاء السمعي الذي تصنعه قطرات الماء المتساقطة بين حين وآخر في قبو مظلم ورطب؟ وماذا عن الفضاء الحضري الذي يخلقه صوت أجراس الكنائس؟ أو إحساس البعد الذي ينتابنا عندما يخترق صوت قطار ليلي أحلامنا؟ أو فضاء الروائح الذي يميز المخبز أو محل الحلويات؟

ولماذا تحمل المنازل المهجورة غير المدفأة الرائحة نفسها للموت في كل مكان؟ أذلك لأن الرائحة التي ندركها هي في الواقع رائحة تُنشئها أعيننا؟

 

البداية  (The Beginning)

لقد تحدثتُ ذات مرة مع أحد مسؤولي الكنيسة حول تصميم الكنائس. وقد شدّد على أهمية المعرفة بالطقس الديني (Liturgy)، والأيقونوغرافيا (Iconography)، وغيرها من القواعد الداخلية للكنيسة.

وقد بدا منزعجاً عندما قلت إنّ الوثني فقط هو من يستطيع تصميم كنيسة معبّرة حقاً.

في رأيي، إن رمز الإيمان لا يمكن أن يتحول إلى حجر إلا بواسطة شخص يتم إدخاله حديثاً إلى أبعاد الإيمان. أما الشخص الذي يكون تصميم الكنيسة بالنسبة له مجرد تنظيم لأشكال معطاة مسبقاً، فلا يمكنه أن ينتج سوى عاطفية جوفاء.

 


 

 

المصدر الأصلي:

Pallasmaa, Juhani. The Geometry of Feeling: A Look at the Phenomenology of Architecture. In: Theorizing a New Agenda for Architecture: An Anthology of Architectural Theory 1965–1995. Edited by Kate Nesbitt. Princeton Architectural Press, 1996.

الترجمة العربية:  منصة بنيان للعمارة العربية.
© جميع الحقوق الفكرية للنص الأصلي محفوظة للمؤلف والناشر.



ملاحظة المحرر
:

هذا المقال هو ترجمة عربية لمقال “The Geometry of Feeling: A Look at the Phenomenology of Architecture”  للمعماري والمفكر الفنلندي يوهاني بالاسما (Juhani Pallasmaa)، وقد نُشرت الترجمة لأغراض معرفية وثقافية ضمن منصة بنيان، مع الإشارة الكاملة إلى المصدر الأصلي.